النزوح من حمص،، الخلفية والمستقبل

لم تكن تكلفة الصيت الإعلامي -الذي هو حقيقة واقعة بالتأكيد- بأن حمص عاصمة الثورة زهيد الثمن ولا حتى متوسط، مقارنةً مع أية مدينة سورية أخرى.

أمنيًا -أقصد قبل نزول العتاد العسكري الى المدينة واحتلاله لها – تم التعامل مع المتظاهرين بشكل حاسم، ففي إعتصام الساعة الشهير مثلاً والذي جرى في 18 نيسان من العام الماضي، حيث اعتصم أكثر من مئة ألف من أبناء

المدينة في أضخم تجمع ثوري آنذاك منادٍ بإسقاط النظام، فتحت السلطات الأمنية النار على المعتصمين في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وهم نيام وحصدت مئتي قتيل حسب أقرب التقديرات، إضافة إلى مجهولي المصير حتى اليوم! (رغم ان اعتصام  دوما كان قبله بأسبوعين وهو اقرب الى العاصمة، سقط به 17شهيدًا)

أما من الناحية العسكرية، فاستخدم في حمص جميع أنواع الأسلحة، وأنا هنا أقصد كلمة جميع، شاملاً الصواريخ، مضاد الطيران، والسلاح الكيماوي (المستخدم في الرستن حسب التوثيق). ولحق دمار واسع في أحياء: باباعمرو، باب السباع، الخالدية، الصفصافة،

الحميدية، بستان الديوان، بالإضافة الى عملية نهب واسعة جدًا طالت معظم أحياء المدينة، عدا عن الريف.

التعامل الأمني والعسكري ترك أثره على كافة جوانب الحياة في  المدينة، ويمكننا القول بأن الحياة متوقفة كليًا هنا في حمص منذ ثلاثة أشهر ونيّف بعد توقفها جزئيًا لأشهر طويلة: لا مدارس ولا جامعات، لا دوائر حكومية ولا مؤسسات خاصة، لا محال تجارية ولا غذائية!

جميع المؤسسات السابقة مغلقة بشكل كامل منذ ثلاثة أشهر، واستعاض السكان عن ذلك بالعمل الذاتي، فبات في كل حارة شبه سوق صغير يضم المواد التموينية والخضار والفاكهة والخبز وغير ذلك، لصعوبة التنقل بين الاحياء.

طلبة الجامعات لم يقدموا امتحانات الفصل الأول ولا دوام حاليًا، والموظفون لم يقبضوا رواتبهم منذ شهرين. الإتصالات الخليوية مقطوعة منذ ذلك الوقت، تأتي مرة كل أسبوع! خدمة الإنترنت مقطوعة بكافة أشكالها أيضًا وتأتي كل فترة لساعة أو يزيد فقط، حتى الصفر الدولي مفصول عن الخدمة.. مما سبب  حالة قلق واسعة لدى أبناء

المدينة المغتربين على حالة ذويهم وسط أنباء القصف والدمار.

الوضع السابق لم يعد مقدورًا على الكثيرين، مما دفع بالآلاف من سكان المدينة الى النزوح في ثلاثة اتجاهات، الأول: إلى داخل أحياء حمص الأكثر أمنا، الثاني :إلى المدن المجاورة مثل دمشق وريفها، والثالث : إلى خارج البلاد.

ودون أن أتورط في أرقام أو نسب لعدد النازحين يمكننا القول بأن من بقي في المدينة أقل بكثير ممن نزح عنها، فهناك أحياء فرغت بشكل كبيرٍ جدًا مثل: بابا عمرو، باب السباع، الصفافة، التوزيع الاجباري، جورة الشياح، القرابيص، القصور، الخالدية، حمص القديمة .

وكان عناصر الأمن والشبيحة يقتحمون دومًا المنازل الفارغة من ساكنيها ليقوموا بإفراغها من كل شيء فيها، وإحصاء الأضرار المادية في الحروب لا يجوز لكن ستكشف الأرقام بعد انتصار الثورة عن مبالغ فوق التصور.

الوضع السابق دفع بأئمة المساجد هنا إلى التأكيد في كل خطبة على عدم جواز

مغادرة البلاد خوفًا من الموت، لأن هذا طعنا في العقيدة والإيمان كما قالوا، بل أفتى علماء الشريعة في مثل هذه المواقف بترك المكان المتضرر إلى الأقل تضررًا ضمن البلدة ذاتها وعدم جواز مغادرتها نهائيًا كما فعل

الكثيرون.

كما بيّن ناشطون فإن المخطط الأسدي في المدينة بات واضحًا فهناك عمل دؤوب إلى تغيير التركيبة السكانية فيها، لتصبح الأكثرية فيها هي من الطائفة الموالية للنظام والخاضعة له. وان المسألة باتت مسألة شبيهة بأعمال التصفية والتهجير العرقية والطائفية كتلك التي جرت في فلسطين المحتلة عام 1948.

من تبقى من سكان المدينة يتخوفون أن ينالهم القصف ما نال غيرهم، ليس خوفًا من النزوح الاضطراري، بل لسببين:

الأول أنه حينها لن يكون في حمص أية أحياء أقل تضررًا يمكن النزوح إليها وهذا يعني مغادرة المدينة نهائيًا،

والسبب الآخر: أن نتيجة ذلك خلو مدينة حمص من السكان بشكل كامل.

ورغم الوضع الأمني والمعيشي الأصعب في حمص فإن جميع من نزحوا من المدينة أو من خرجوا منها طواعيةً يؤكدون رغبتهم في العودة الفورية إلى حمص حال سقوط النظام، مما يبدد أية مخاوف من تغيير التركيبة السكانية في المدينة أو تحولها إلى مدينة أشباح كما يتمنى أعوان النظام

تابعنا على تويتر


Top