جهاد الخوارج

أحمد الشامي

لا أدري ما هو الهدف الذي ينوي “جهاديو الغرب” تحقيقه، لكن اﻷكيد أن هذا الهدف لا يخدم لا الإسلام ولا المسلمين ولا القضية السورية. بلجيكا هي من أكثر الدول الأوروبية ديمقراطية وانفتاحًا وتسامحًا مع العرب والمسلمين، والنتيجة هي الجريمة البشعة التي اقترفها “متأسلمون” كطعنة في ظهر البلد التي تأويهم وتمنحهم حقوقًا لا يحلمون بمثلها، لا في بلادهم اﻷصلية ولا في “خلافة” البغدادي، أو “إمارة” الجولاني. فرنسا هي الدولة الغربية اﻷكثر مساندة للقضية السورية، وهي الدولة الوحيدة التي طالبت برحيل اﻷسد، حتى تفجيرات باريس في تشرين الثاني الماضي.

في هذه اﻷيام، أن تكون مسلمًا في أوروبا يعني أنك “إرهابي” حتى إشعار آخر، بفضل مجموعة من المهووسين الذين يظنون أن جرائمهم هي في مصلحة الدين الحنيف. إن كان هذا من “اﻹسلام” فإن الله ورسوله بريئان من القتلة حتى يوم الدين. “الجهاد” الذي يمارسه هؤلاء المتأسلمون في أوروبا لا يمت للعقيدة اﻹسلامية بأي صلة، فهو يطابق ممارسات “الخوارج” لا “المجاهدين”.

لدى “خوارج العصر”، تتضافر آليات عمل شبكات المافيا مع عقيدة انتحارية لاعقلانية من طبيعة تلك العقلية، التي ميزت العقائد الانتحارية والغيبية، مثل طائفة “مون” و القس “جونز” التي انتهت بانتحار جماعي.

بعيدًا عن الغضب واﻹدانة، كيف لنا أن نفهم هذه الحقارة وهذا اﻹجرام من قبل أفراد يتمتعون بكل الحقوق ويمارسون شعائرهم ونشاطاتهم بكل حرية؟ لماذا يقتل هؤلاء جيرانهم وأصدقاءهم دون هدف ودون جدوى؟

الحقيقة أن أي مقاربة للجرائم التي تهز مدن أوروبا لا تكتمل دون فهم ظاهرة الاغتراب، التي تدفع بأفراد من ضعاف النفوس والمختلين في حضن “طوائف” من الخوارج تستغبيهم وترميهم كالفضلات.

ليست مصادفة أن تكون الغالبية الساحقة من انتحاريي باريس وبروكسل هم من “المتأسلمين” المنحرفين ومن الذين فشلوا في الاندماج في مجتمعات اللجوء، ومن المرضى النفسيين الذين يريدون الانتحار أساسًا ويبحثون عن “راية” وهدف، يعطيان لانتحارهم “نكهة” غير تلك التي تميز المرض العقلي.

هكذا نفهم لماذا يهاجم هؤلاء القتلة مجتمعاتهم ذاتها، التي يتهمونها بالتقصير في حقهم ويعبرون عن كراهيتهم لمجتمعات اللجوء الديموقراطية والمنفتحة بطريقة دموية. يجد هؤلاء من اﻷسهل أن يحاولوا هدم مجتمعات راقية تحترم العمل والمسؤولية، بدل أن يجدّوا في دراستهم وعملهم ويدافعوا عن حقوقهم بطرق متحضرة، مثلهم مثل الطفل سيئ التربية الذي يكسر اللعبة التي لا يتمكن من الحصول عليها.

بالمقابل، فالسوريون الذين يريدون الجهاد يقومون بمقاتلة جيش الاحتلال اﻷسدي، وحين يقومون بعمليات استشهادية فإنهم “لا ينتحرون” مجانًا، بل يلقون بأنفسهم في شاحنات مفخخة في وجه المحتل وزبانيته.

ظاهرة الاغتراب والخلل النفسي لا يكفيان لتفسير هذه الظاهرة، فالاغتراب وصعوبة التأقلم موجودان في كل المجتمعات وليس كل “مغترب” عن مجتمعه هو مشروع انتحاري.

هل هذه الجرائم مجرد “انتحار” أم أن لها غايات أخرى؟ هل هناك أيد خفية تحرك هؤلاء الانتحاريين عن بعد وتوفر لهم الدعم المادي واللوجستي، تمامًا كما سبق للاتحاد السوفييتي أن مول عصابات “اﻷلوية الحمراء” و”بادر ماينهوف” التي تشبه كثيرًا ممارسات “دواعش أوروبا”؟

هنا يأتي دور الدول والأيدي الخفية التي تتلاعب بهؤلاء “الخوارج” وتحركهم كالدمى ضد منافسيها.

وحدها الدول المارقة تقدر على تجنيد هكذا قتلة واستخدامهم.

الدول المارقة لم يبق منها سوى روسيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وكلها، ويا لمحاسن الصدف، مرتبطة بحلف واحد مع نظام البراميل.

ليست صدفة إذن أن تتزامن موجة الإجرام الداعشي التي تجتاح أوروبا مع العقوبات التي فرضها الأوروبيون على بلطجي الكرملين، هذا بحسب رأي مدير استخبارات أوكرانيا.

تابعنا على تويتر


Top