جردة حساب “الهدنة”

حذام زهور عدي

عندما أخبرنا بعض الأصدقاء أن مسؤول هيئة المفاوضات رفض توقيع وقف إطلاق النار وقال لدي ميستورا “أفضل قطع يدي على أن أوقع” استغربت، وقلت لمُخبري: وما الفرق بين وقف إطلاق النار وبين الهدنة؟ لكنْ بعد أن شرح الفرق وبعدما حدث على الأرض لمست الفرق بيدي وعذرت، بل ثمّنت، موقف الدكتور حجاب.

بعد ثلاث جُمع من الهدنة صار من الواجب القيام بجردة حساب عسكرية وسياسية وإنسانية، وعلينا أن نجيب بوضوح وصراحة على سؤال: من استفاد أكثر من الهدنة؟ الثوار أم النظام؟ وهل كانت الهدنة حاجة ملحة للثورة؟ بصرف النظر عن دور المجتمع الدولي في فرضها.

كان الهدف من الهدنة تهدئة الأوضاع كخلفية منطقية للمفاوضات من جهة، ومن أجل تمرير المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة من جهة أخرى، وإفساح المجال لعودة الحراك السلمي وإيجاد الشروط الحياتية لتثبيت من تبقى من السوريين في مدنهم وقراهم والتخفيف من أمواج الهجرة، وتلك أهداف تتفق الثورة بها مع المجتمع الدولي، فهي تلبي مصالح الطرفين، أما التحالف الأسدي الروسي فقد استثنى منها داعش والنصرة لتكون حجته باستمرار القصف في أي مكان يجد من مصلحته قصفه، بمعنى آخر، احتفظ لنفسه بحرية الحركة وقيّد حركة الثوارالمسلحين، فماذا كانت النتائج؟

سياسيًا: ربحت الثورة العودة إلى التعبير السلمي وأعادت المظاهرات السلمية الروح والأمل لكثير من اليائسين في الداخل والخارج، وأظهرت الإرادة الحقيقية للشعب السوري بالرغم من المعاناة غير المسبوقة والتهجير المتعمد، كما تراجع عدد الشهداء اليومي واستطاعت بعض المناطق أن تتنفس الحياة.

في المقلب الآخر، كانت المساعدات الإنسانية شحيحة وأعيد حصار مناطق أخرى، ليس فقط بحجة النصرة وداعش، ولكن لأن التحالف الروسي الأسدي لا يُقيم وزنًا لتعهداته، وهو منذ اليوم الأول ومنذ لغم النصرة الذي اشترطه كان يهدف إلى إعادة تنظيم نفسه واستلام الأسلحة النوعية المتفق عليها من روسيا، وحصر الوضع الميداني بجزر صغيرة يقضي عليها بأرخص سلاح، الجوع أو الركوع، سلاح الحصار القاتل.

إن ما نفذه الأسد من اتفاق الهدنة لا يعدو 20%، بينما استمر بـ 80% يخرقها يوميًا، ولعل آخرها ما حدث بدير العصافير، وفي العودة للبراميل واستمرار الحصار لكثير من المناطق في الغوطة وغيرها، والغريب أن تعليق المجتمع الدولي على الهدنة ليس تعليقًا إيجابيًا فقط، وإنما يوحي بالتزام النظام بها مهللًا لنجاحها غير المتوقع.

أما أصوات أشباه الموتى الجياع، وأصوات البراميل والمدافع والطائرات التي ماتزال تقصف المدارس والمشافي والمدنيين وتقضي على عائلات بأكملها، فحتى الهواء لا يرددها.

لقد سمحت الهدنة للنظام بتحقيق انتصارات جديدة والبرهنة للمجتمع الدولي بأنه عندما جمّد التمرد المسلح وعزله بالهدنة، أمكنه التفرغ لقتال إرهاب داعش، وأنه قادر مع حلفائه على إنهاء قوى الإرهاب الموجودة في سوريا، تلك القوى التي أصبحت في عين الصراع مع العالم.

كما سمحت الهدنة لفصائلها المسلحة بالتنابذ والصدام مع بعضها بالوقت الذي كان يُرجى توحدها ووضع الخطط المشتركة والتنسيق فيما بينها.

ليس كافيًا أبدًا ان يحافظ بعضها أو أهمها على ما هو فيه من أرض وقرى، وأن يصدّ هجمات النظام وحلفائه، إن السكون في أوضاعهم وتلقي الضربات فقط، عمليًا هو تراجع وليس ربحًا، وبخاصة عندما يبدأ قضمه من الأطراف شيئًا فشيئًا.

على الجيش الحر وفصائله المقاتلة إن أراد الاستفادة من الهدنة وعدم تحولها إلى هزيمة له، أن يكسب الهدوء النسبي لإعادة التنسيق والتخطيط والانتشار لفصائله المنوعة، وعلى الحلفاء تزويده بالأسلحة النوعية وتدريبه عليها استعدادًا لما هو آت، فمثل هذا النظام ومثل حلفائه لا يُؤمن لهم، وهذه الوقائع السابقة والحالية تشهد على زئبقيتهم، فعندما يعملون على إنهاء “التمردالإرهابي المسلح على الأرض” بحسب تعبيرهم، ويظهرون بمظهر القادر على الفعل في مسألة داعش، فإن المجتمع الدولي سيكون معهم، ولن يُلقي بالًا للثورة وجياعها ومشرديها وضحاياها.

وهذا ما دفع النظام الأسدي للمراوغة بالمفاوضات علَه يكسب الوقت وينهي الثورة بالمصالحات المحلية، ويتفق مع داعش بإخلاء بعض الأماكن، ويترك للروس والإيرانيين قرار ما ستكون عليه سوريا المستقبل، ويستمتع هو بملكية كرسي الحكم لا غير…

مما سبق نستنتج ما على الثورة وقيادتها السياسية والعسكرية أن تعمل لأجله:

  • الاستمرار بالمفاوضات دون أن تتيح الفرصة للنظام الأسدي ليلعب بالوقت.
  • على تنظيمات المجتمع المدني بالداخل والخارج الاستفادة من الهدنة لأعلى درجة ممكنة، فتنظم نفسها وتخطط وتتوحد وتوزع الأعمال، وتدرب المتطوعين على أعمال الدفاع المدني.
  • وعلى الفصائل المسلحة والجيش الحر التوحد والتوحد والتوحد والتنسيق ووضع الخطط الجاهزة لأي احتمال، من حرب العصابات حتى معارك المواجهة، كما عليهم رد خروقات الهدنة بمثلها.
  • والمهم جدًا على الأصدقاء الداعمين الاستفادة من الهدنة الشحيحة، وتزويدالثورة بما تحتاجه من أسلحة نوعية للدفاع عما تبقى من الشعب، بغير هذا ستكون الهدنة هزيمةً دبرها النظام وحلفاؤه بليل.

تابعنا على تويتر


Top