فنانون يتحدون “بطش التنظيم” ويرسمون الحياة في دير الزور

87654345654.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

بصوت منخفض يخترق الصمت المحيط، تغني الطفلة هبة ذات الـ 14 عامًا، من ريف مدينة دير الزور، أغنية فلكلورية مشهورة “يا سايقين الضعن بالله توقفونهوياكم شريك القلب محد خطى دونه”.

تقطن هبة مع والدها، أستاذ الموسيقى السابق وعائلتها، في إحدى مدن الريف الشرقي لدير الزور، التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة”، بعد نزوحهم عن المدينة، ويقول والد هبة لعنب بلدي إنها “تحاول خلق عالم خاص وسط كل هذا السواد”.

وبحسب والد الطفلة، فإنه تعرض للكثير من المتاعب والتهم من الفصائل التي تناوبت في السيطرة على بلدته، بسب دراسته وعمله “غير الشرعي”، لكنه رغم ابتعاده عن التدريس، مايزال يؤمن بأهمية الموسيقا في الحياة، لذلك تراه يعلم أبناءه فنونها.

تستمع هبة لكافة أنواع الموسيقا محاولة تقليدها، وفق ما أفادت عنب بلدي، لكن الفتاة تبدي خوفها من عناصر التنظيم، مرددة “الأشرار لا يحبون الموسيقا، لكنني سأستمر، فالغناء هو المساحة الحرة الوحيدة التي أحظى بها لأهرب من القيود التي تحيط بنا من جميع الجهات “.

ويخشى والد هبة على عقول أبنائه وطريقة تفكيرهم، “من كل هذا الغضب والكراهية التي تعم المكان”، بينما تراه مبتسمًا عندما يسمع صوت ابنته داخل غرفتها المعزولة عن العالم الخارجي، وهي تردد مواويل علمها إياها.

الشعر مازال حاضرًا ولكن في الخفاء

وكهبة ووالدها، هناك آخرون ممن يرفضون الاستسلام لحصار التنظيم بطرق أخرى، رغم أن “السجن الأسود” يحاصرهم، كما يقول أبو عبد الرحمن، وهو راوٍ للشعر الشعبي من ريف دير الزور.

واعتبر أبو عبد الرحمن في حديثه لعنب بلدي أن “مثل هذا الكلام قد لا يبدو منطقيًا، لكن هنا كل شيء يسير بغير هدىً، فهنا فوضى مدمرة، وترانا نموت بصمت كما ولدنا، وبما أننا نعيش على أرضنا فمن المفروض أن نكتب ما يحدث أو نصفه أو نحاول رسمه، لكسر القيد الذي يطوق أرواحنا قبل أن يسيطر على أجسادنا”.

ويشرح الشاب أهمية الحفاظ على الذاكرة الشعبية التي تشكل هوية المنطقة، لافتًا “يحاول التنظيم القضاء على من يرسم وجهنا في الحضارة وينقل لنا إرث المنطقة، كما يمنح أطفالنا هويتهم الخاصة”، ووفق رؤيته فالأمم “تكون حاضرة بمقدار مساهمتها الثقافية”.

ويستهدف التنظيم الفنون والثقافة والتعليم، ويؤكد غالبية الأهالي الذين استطلعت عنب بلدي آراءهم، أنه “عمل جاهدًا على تدميرها محاولًا غسل وجه المكان وتغيير هويته، وهذا ما جعلهم يفاخرون ببعض الأحجار في التكايا والكنائس والأعمدة المنتصبة وسط نهر الفرات، التي تشكل جميع ما تبقى من الجسر المعلق، لكنها تمثل صمودًا، على حد وصفهم.

يسجل أبو عبد الرحمن شعره على أوراق صغيرة يلقي بها في نهر الفرات، وأحيانًا يلقي ما في جعبته من قصائد بين القصب على ضفة النهر، وأوضح أن ذلك يأتي في ظل مضايقته من قبل عناصر التنظيم، “فالشعر مكروه شرعًا، إلا إذا كان في خدمة التنظيم وجهاده ومدح عناصره وأمرائه”، على حد وصفه.

من يستطيع خنق الماء ومنعه من الحياة؟

“هنا نهر الفرات يصب في كل ذرة روح، وهذا أمر لا يفهمه الغرباء ولا يدركونه… من يستطيع خنق الماء أو منعه من الحياة”، يقول قاسم، وهو شباب من مدينة دير الزور، وهو يرسم لوحات بقلمة الأزرق على أوراق بيضاء.

يرسم قاسم منذ عشر سنوات ويشكل مجسماته، إلا أنه اليوم يجلس داخل غرفته الصغيرة متحدثًا لعنب بلدي، “أكثر ما يؤلمني هو أني أحرق هذه الرسوم بعد الانتهاء من عملي خوفًا من عثور التنظيم عليها ومعاقبتي”.

لم ينجح قاسم في الفرار من “بطش التنظيم”، على حد وصفه، إذ جُلد وسُجن لعدة أسابيع، كما أخضع لدورة شرعية، بعد ضبط عنصر من “الحسبة” في المدينة ورقة صغيرة تحمل رسمًا لوجه فتاة، ويشير إلى أنه “سجن بتهمة الزنا”.

يختم الشاب حديثه قائلًا “رغم أن يدي ترتجف عند رؤية عناصر التنظيم، إلا أني سأكمل رسمي سرًا فهذا يمنحني الحياة والأمل”، مضيفًا “رغم أننا نعيش إلا أن إحساسنا بوجودنا توقف وأصبح أمنية عزيزة رغم محاولاتنا الحفاظ على ما تبقى من روح ولون وكلمة فينا”.

ويجمع أغلب الفنانين الذين تواصلت معهم عنب بلدي، على وجود الكثير من العوائق التي تقف في طريقهم، فضلًا عن رقابة التنظيم، فتكاليف الحياة مرتفعة، إلا أنهم يحاولون كسر حاجز الممنوع من خلال “إثم الفن”، الذي يرافقه الخوف، على حد وصفهم، لكنهم يشعرون بأن هناك شيئًا خفيًا يدفعهم لمواصلة أعمالهم سرًا.

تابعنا على تويتر


Top