انتظار أم مسير

حنين النقري – دوما

منذ انطلاق اليوم الأول للثورة، كان انتظار موّيديها للنصر، للحظة نسمع فيها خبر سقوط النظام على التلفاز، بتنحٍّ يعلنه نائبه، بهرب الى جدّة، بانتحار، باغتيال، انتظار عام لأي خبر يريحنا من نظام جثا على صدورنا كالجاثوم، وآن للنائمين اليقظة من تأثيره! ومع مرور كل يوم، كل شهر، وكل سنة، نرى ملامح الانتظار تبدو للعيان أكثر، نرى العيون تعلّقت بهذه اللحظة بأمل، برجاء، لتخليصها من حياتها الراهنة، ليعمّ السعد…

77

وهل ثمّة مشكلة في ذلك؟! نظريًا، البتّة؛ لكن عمليًّا، فإن هذا الانتظار، مجرّد الانتظار، هو مشكلة كبيرة! عندما تطول فترة الانتظار، سيبدأ نوع من الخيبة، الاحباط، بالتسرّب للنفوس؛ -كما يتسرّب الكلل للأقدام بعد طول وقوف!- وكون السّعد المعلّق بهذه اللحظة المنتظرة ما أتى بعد، فثمّة أمر ينقص في حياتنا الراهنة، نقص لا يمكننا أن نشعر بطعم السعد معه! لو كان الانتظار ليوم أو يومين.. شهر.. شهرين، لهان الخطب.. لكن عندما يكون الأمد مفتوحًا بهذا الشكل، فإنّ انتظار شعب كامل للحظة واحدة لن يسعد قبلها، يعني غمامة كآبة تحيط بالجميع، برقعة جغرافيّة كاملة! نعم، الأمر واضح، في أي اجتماع لك مع عينات عشوائية من السوريين، ستجد ملمحًا لتلك الكآبة في عيونهم، وستقرأ في كلامهم شعورًا خفيًا بالنقص، بأقوال تتردد حول انتظارهم النصر لعودة البسمة.. رغم أن الأمر يبدو مصيريًا بشكل كبير.. ويبدو من المنطقي أن تسود الكآبة لحين الحصول على النصر وإسقاط النظام..

إلا أنه -بالتأكيد- سيكون بعد النصر.. ثمة ما نفتقده .. ما ننتظره! الأمر ليس وليد اليوم، وإن كانت الثورة قد بلورته، لكنها ثقافة موجودة في الأمور الحياتية، عززت لها موروثات عقدية كثيرة عند مختلف الطوائف أيضًا (المهدي المنتظر، المسيح المنتظر.. ثمة شخص ما ننتظره ليخلصنا دومًا)!، انتظار حدث ما ليسعدنا -مما يعني سعادة منقوصة وحياة منقوصة قبله-، انتظار نجاح، تخرج، زواج، عمل، سفر، عودة من غربة، أن ترزق بولد، جميعها أمور تسعد، لكنّ معيشتك «كانتظار لها»، تحويل حياتك لـ «موقف ومحطة انتظار» لأي أمر كان، يفسد عليك التمتّع باللحظة الراهنة، يعني أنك تدفع جزءًا من حياتك ثمنا لجزء آخر إن كان مكتوبًا لك فستناله، وإن لم يكتب لك ستكون خسارتك لوقت انتظاره مضاعفة!

النصر -بعون الله- محسوم لجانب الحق، لكن الأمد غير معلوم، وقد يطول نضالنا ليتمّ لنا التحرير والنصر، حزننا على الشهداء، معطيات حياتنا الجديدة والصعبة، تركنا لبيوتنا، تغير نمط عيشنا، أمور ليست سهلة، لكننا أيضًا، لا ندري طول الأمد الذي سنعيشه مع هذه المعطيات وهذه الظروف، التذمّر والتعامل معها بشكل آني، يعني أننا نخسر من حياتنا لحظات لن تتكرر! الحياة ليست فردوسًا وكل مرحلة ستحوي تحدياتها.. عيشنا بانتظار لحظة ما «مهما كانت مهمة ومصيرية للأمة كاملة» يقلل من تركيزنا على الواقع، على ما نفعله لأجل تلك اللحظة، والأهم، أن تركيزنا على تلك اللحظة، يجعل إحساسنا بأننا نعيش واقعًا منقوصًا لا يمتلك مقومات العيش،، يجعل لحظتنا الراهنة أقل قيمة مما سواها!

أجل.. قد تبدو لك لحظات مؤلمة.. عندما تقارنها مع حياتك السابقة، مع كماليات عيشك، مع كل ما كان، ستشعر بغصّة وتوق لينقلب الحال بأسرع حال، لكنها لحظات وأيام وسنين من عمرك، تستحق أن تحياها، هي متفرّدة بكل ما فيها، بكل خير تستطيع أن تفعله، بكل رسالة تستطيع إيصالها، بدور لك أساسي في المجتمع؛ لن يؤدّيه غيرك، ببسمة لا يجب أن تفارق محياك، بنصر، ندعو له أن نحيا لنناله، ونعمل له، لكننا لا نوقف حياتنا انتظارًا له، بل نكملها، مسيرًا إليه!
ولنتذكر.. أن الوقوف يضني الأقدام.. أكثر من المسير!

تابعنا على تويتر


Top