الاقتصاد، ملعب الأغنياء أم ضمان الفقراء

12-300x2232.png

طريف العتيق – حمص

تشكّل النظريات الاقتصاديّة المتّبعة في كلّ دولة من دول العالم تعبيرًا عن تصوراتها وقناعاتها تجاه الكون، الحياة، والإنسان، والعلاقة بينهم، كما أنها تفسّر أنماط الحياة والسلوكيات ودرجات الشعور بالرضى لدى سكّانها، وتكرّس أفكارًا عند الناس وتزلزل أخرى..
وتمثّل النظرية الرأسماليّة واحدة من أكثر النظريات انتشارًا وتطبيقًا، مدفوعة بقوّة المثال الغربي، الذي ينتابنا دومًا أنه نموذج اقتصاديّ رفيع، حقيق بالتطبيق والاقتباس. فالصورة الرائجة عندنا هي حياة الرفاه لكافة السكان، والدولة التي لا تسمح لمواطنيها بالعيش دون السويّة الدنيا.
ويمكن تلخيص الفكرة الجوهرية لنظرية الرأسمالية بأنها ترك «الأفراد» وشأنهم في تملك «وسائل الإنتاج» لتحقيق الربح.
إذ يشكّل «عدم التدخل» الميزة الأهم في النظرية، إن الدولة لا تتدخل، إنها تترك الأفراد وشأنهم في كسب رزقهم، ويبدو هذا جيدًا للوهلة الأولى..
العبرة النهائية من عدم التدخل (كما يشرح واضع النظرية آدم سميث) أن نمو إجمالي الدخل القومي سيزيد، وهذا سيزيد من معدل الدخل الفردي، وسيزيد الاستهلاك بالتالي، وهذا يعني حاجة إضافية للوظائف، وبالتالي زيادة الأجور..

كيف تمّ تطبيق فكرة «عدم التدخل» ؟
عدم التدخل مورس مع من يسحق المجتمع بهدف الربح، وليس مع صاحب «بسطة» يرغب في كسب قوته.
إن الدولة لن تتدخل لتوقف هيمنة الشركات على الاقتصاد والمجتمع والحياة، حتى لو أدى ذلك إلى ازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وازدياد الاحتكار، وتدمير البيئة، بل وحتى لو نشبت الحروب من أجل المزيد من الربح، يجب على الدولة عدم التدخل!!
فعلى سبيل المثال فقد بلغ الفرق بين معدل دخل المدير التنفيذي للشركات والمواطن الأمريكي العادي عام 2011، بلغ 411 ضعفًا!. والأكثر من هذا أن الخمس الأغنى في أمريكا يسيطرون على 83% من مصادر الثروة! وتشير الإحصائيات أيضًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة أكبر فجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى الدول الصناعية.

حقيقة فلا أسهل من نقد النظريات، وتبيان مواضع خللها، لكن الأهم هو وضع البدائل، لقد كنّا كعرب غائبين تمامًا ولعقود عن ساحة الفعل الحضاري الإنساني، لقد اكتفينا لفترات طويلة، باستيراد نظريات جاهزة ومحاولة تنزيلها على أرض الواقع، بعد تشويهها بفعل أيادي الفساد والاحتكار.
انطلاق الحريات في العالم العربي، ينبغي أن ينعكس حرية في التفكير، حول كلّ النظريات التي تشغل الساحات المختلفة، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.. الخ، ومحاولة نقدها، وتبيان مواطن خللها، ووضع بدائل تتناسب مع البيئة والظروف والمتطلبات التي تفرزها الساحة العربيّة، وهذا الأمر بالطبع يتطلب سنوات طويلة في الاجتهاد والتفكير والتطبيق، ليس سهلًا الأمر، لكنه مطلوب.

كما لا يمكن القول بأن الإسلام يتضمن كل ذلك! فليست هذه هي الغاية التي من أجلها أنزل الدين، لكنه بالمقابل يتضمن ضوابط عامة، وحدودًا عريضة.
ففي المجال الاقتصادي ينطوي الإسلام على فكرة «التدخل» لصالح الفئات الأضعف في المجتمع، وهذا مثلًا متجلٍ بوضوح في موضوع الزكاة، التي تؤخذ من الأغنياء وتردّ إلى الفقراء. أو في التعامل مع الفيء (غنائم الحرب)، باعتبارها تشكل زيادة كبيرة وطارئة في المال، إذ تحدّد الآية أوجه إنفاقها لصالح «ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل (والتعليل واضح تمامًا( كي لا يكون دولة بين الأغنياءمنكم»، إن الإسلام يتدخل لصالح الفقراء دومًا..
وما بين عدم التدخل لصالح الأثرياء، والتدخل لصالح الفقراء، هوة حضارية واسعة.
على المثقفين والأكاديميين العرب، أن يشعروا بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عواتقهم في بلورة نظريات لإدارة الدولة، تساهم في إيجاد حلول جذرية للمشكلات التي نعاني منها.

تابعنا على تويتر


Top