ثورة كفار قريش !

جريدة عنب بلدي – العدد 55 – الأحد – 10-3-2013

مع طول الثورة وامتدادها واكتسابها زخمًا مستمرًا طوال أيام الأسبوع وليس فقط يوم الجمعة، فقدت قضية تسمية الجمع ألقها وأهميتها بالنسبة للكثيرين وغابت المعارك والحملات الفيسبوكية والتي كانت تحشد الناس لهذا الخيار أو ذاك.

15
من الصعب مثلًا أن تجد حاليًا من يعرف اسم الجمعة ما قبل الماضية، ليس أصعب منه إلا أن تجد من يعرف التي قبلها. ولكن بالرغم من ذلك تبقى أسماء الجمع أحد الحوامل الأساسية للثورة وأحد الوسائل المهمة في تحشيد الرأي العام الثوري خلف بعض الخيارات السياسية الاستراتيجية كطلب التدخل العسكري والحظر الجوي والإمداد بمضادات الطائرات أو تشجيع وتحفيز المدن التي لم تشارك في الثورة منذ بدايتها كمدينة حلب والرقة، أو لتسليط الضوء على بعض المدن المهمشة إعلاميًا أو الاحتجاج على تخاذل العالم مع الثورة. وبالعموم فإننا من خلال متابعة أسماء الجميع نستطيع قراءة واقع الثورة وصراعاتها الداخلية وأزماتها وتوجهها المستقبلي.
من بين كل انحرافات الثورة وأخطائها ومحاولات التشويه العديدة التي تطالها (بغير قصد وغالبًا بقصد) لا يبدو أن هناك أكثر ظلامية ورجعية وجاهلية من توصيف الثورة السورية بكونها ثورة يراد بها إطفاء نار «المجوس»، والتسمية تحوي من التهافت والجهل والمغالطات ما يجعل الرد عليها مضيعة للوقت، فإذا أخذنا الكلام بحرفيته، يشكل المجوس في إيران (وهم بقايا الزرادشتية) أقلية مضطهدة ومهمشة وهو ما يجعل منهم مناصرين (موضوعيين) للثورة السورية، وإن أخذناه بمعناه فتعيير قوم بما كانوا عليه قبل 1400 عام فيه مخالفة صارخة لروح الإسلام الذي يجُبّ ما قبله!
ولكن بعيدًا عن كل ذلك فإن في التسمية دلالات خطيرة، فهي بدايةً تعبر عن إخراج الثورة عن معناها وأهدافها الأصلية من ثورة شعبية ضد نظام استبدادي (سوري) إلى ثورة سنية ضد نظام إيراني، وبالتالي هي تدخل الثورة في صراع إقليمي الخاسر الأكبر فيه سوريا والمنتصر الأكبر فيه هو أمريكا.
ومن دلالتها الخطيرة أيضًا هي في كونها بداية انشغال الثورة بمشاكل الماضي وصراعات التاريخ تاركة استشراف المستقبل الذي من المفروض أن الثورة قامت من أجله. ولعل أخطر الدلالات التي تحملها التسمية أنها نالت أصواتًا كثيرة في التصويت الذي تجريه صفحة الثورة السورية متغلبة بذلك على أسماء ذات معان مغايرة ومقاربة جدًا (ويا للمفارقة !!) للتسمية التي فازت بالتصويت وهي (لن تمر دولتكم الطائفية)!!
وبغض النظر عن صفحة الثورة السورية وديكتاتوريتها المعهودة و «التصويت الموجه» الذي تمارسه الصفحة من خلال طرحها لأسماء متشابهة في المعنى مما يضيع الأصوات بين الخيارات، ولكن يبقى لحصول تسمية «المجوس» على هذا الكم من الأصوات دلالتها الخطيرة.
أن تأخذ الثورة هذا المنحى لهو أمر خطير يتحمل النظام وداعميه مسؤوليته بداية ومن ثم المجتمع الدولي ثانيًا وتشكيلاتنا المعارضة نهايةً، والتي عجزت إلى الآن عن قيادة الثورة وتوجيهيها وفرض رؤيتها على صفحة الثورة السورية على الأقل.
ما من شك أن إيران شريكة في الدم السوري من خلال تأييدها المذابح الجارية في سوريا منذ عامين، وما من شك كذلك أنه ليس من مصلحة سوريا ولا من مصلحة الثورة أن تدخل في معركة إقليمية مفتوحة وهي لم تنته بعد من المعركة الداخلية.
وفقًا للعقلية التي أنتجت تسمية «المجوس» فإن السوريين لا يمكن أن يكونوا إلا كفار قريش!!

تابعنا على تويتر


Top