“كاتالوغ” الثورات عند المثقفين.. واستثمار الأنظمة لهم

 محمد رشدي شربجي

في آذار 2005 استطاعت جريدة الدستور، التي شغلت الدنيا بأسلوبها الساخر وتحقيقاتها الجريئة، العودة مرة أخرى لتحتل مكانها في الوسط الإعلامي المصري بعد انقطاع دام ثماني سنوات.

ترأس الجريدة الصحفي اللامع إبراهيم عيسى وكانت افتتاحيته “من أول السطر” أكثر ما يقرأ في الجريدة على الإطلاق. لاحقت السلطات المصرية الجريدة وأصدرت بحق إبراهيم عيسى عدة أحكام بالسجن، خففت لاحقًا إلى غرامات لم تثنه كلها عن الاستمرار في نشاطه المعارض ضد نظام حسني مبارك، وحتى قيام الثورة المصرية 2011 كان عيسى من أبرز وجوه المعارضة المصرية.

يعتبر إبراهيم عيسى اليوم من أبرز المدافعين عن نظام عبد الفتاح السيسي، ومن المباركين والمهللين لحملات الإبادة التي ارتكبتها السلطات المصرية ضد الإخوان، وقد كانت الصاعقة حين برأ حسني مبارك نفسه من جريمة قتل المتظاهرين في ميدان التحرير.

نترك مصر ونتجه إلى سوريا، لعقود خلت انشغل الوسط الثقافي والفكري في سوريا بالمعارك ما بين محمد سعيد رمضان البوطي والكاتب العلماني نبيل فياض، عشرات المحاضرات والمقالات وعدة كتب نشرها الطرفان لتبيان ما لدى الطرف الآخر من “ضلال” و”رجعية”، وغيرها من المصطلحات الخاصة بكل منهما. ومع اندلاع الثورة في 2011 اتحد الرجلان خلف بشار الأسد، وقتل البوطي مؤيدًا له، والآخر ينتظر وما بدل تبديلًا.

أكثر ما تنطبق المفارقة السابقة على الحقوقي “العالمي” هيثم المناع، الرجل الذي رفع لاءاته الثلاث “لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي”، في وجه المعارضة وليس في وجه النظام، بل وزاود عليهم بها في المحافل الدولية، حتى انتهى به المطاف رئيسًا كرتونيًا لقوات عسكرية تدربها الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤمّن لها روسيا غطاءً جويًا كثيفًا، وتُتهم بارتكاب جرائم تطهير عرقي في شمال سوريا، بحسب منظمة العفو الدولية.

الأمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها بالتأكيد، ولكنها تثبت جميعًا أن الأنظمة العربية، التي لطالما اعتُقد أنها تحكم شعوبها بمنطق القوة المسلحة العارية، هي أذكى مما تبدو للوهلة الأولى.

وقد لا يبدو مثيرًا للاستغراب أن هذه الأنظمة استثمرت في رجال الدين (هذه هي وظيفة رجل الدين أساسًا) والإعلاميين والمثقفين، ولكن من الصادم فعلًا أن تكون هذه الأنظمة استثمرت في المعارضين وناشطي حقوق الإنسان أيضًا.

والحقيقة أن الثورات أظهرت القاع السحيق الذي تستقر فيه النخب في العالم العربي، تعالٍ رهيب عن مطالب الجماهير، وتثاقف وغرور فارغ من علو، واشتراط على المظاهرات قبل “التكرم” بالمشاركة فيها، والغالب أن هذه النخب أثناء اعتكافها في أبراجها العاجية كونت ما يشبه “كاتالوغا” خاصا بالثورات، فلا تكون الثورة ثورة إذا خرجت من المساجد، ثم لا تكون ثورة ما لم تشارك فيها النساء “مناصفة” وبالتساوي مع الرجال، ولا تكون ثورة إذا لم تكن مطالبها ديموقراطية علمانية واضحة لا لبس فيها، هكذا يقول “الكاتالوغ”، ثم هل هي ثورة أم انتفاضة؟ وغيرها من أسئلة سفسطائية لا تنتهي.

يقف أمام هذا الخراب الاستثناء التونسي، حيث استطاعت النخب هناك تجاوز حساسياتها الأيديولوجية لصالح المسألة الوطنية، وغيبت عن قصد أحاديث الإسلامية والعلمانية لصالح استقرار الديموقراطية، ولا يخلو الأمر طبعًا من استثناءات (حمة الهمامي المعارض لزين العابدين ناشد العسكر مرارًا التدخل للانقلاب على حكم النهضة)، ولكن يبقى تغليب المصلحة العامة هي ما ميزت التجربة هناك.

وبعيدًا عن التجربة التونسية، تتحمل النخب السياسية والثقافية مسؤولية كبرى عن انهيار الربيع العربي، فهي بتخندقها وراء أيديولوجياتها و”كاتالوغاتها” البالية، أجازت لنفسها العمالة لصالح الأنظمة البائدة نفسها مخافة أن يصل خصومها الفكريون والأيديولوجيون، المستعدون بدورهم للجوء لنفس الحيل، للسلطة.

في تنظيره لدور المثقف، يعتبر المفكر علي شريعتي أن مهمة المثقف هي تهيئة الجماهير للثورة وليس قيادتها، أما أن تتحالف النخب مع الأنظمة ضد الجماهير، فهذا ما اختصت به بعض نخبنا، وهو ما سيكتبه التاريخ بحروف الخيانة والعار.

تابعنا على تويتر


Top