إيران الدولة.. حلم السيطرة ومستقبل التقسيم

فراس علاوي

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إن الدول كالأفراد، تمر بذات المراحل من ولادة وفتوة وقوة ومن ثم هرم وزوال.

ما قاله ابن خلدون قبل مئات السنين يكاد ينطبق تمامًا على كثير من تجارب الدول، ففي القرنين الماضيين شهدت الساحة الدولية ظهور قوى كبرى وأفول نجمها وصعود قوى أخرى، كتجربة ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي وأفول نجميهما، وكذلك المملكة المتحدة وانحسار دورها، وزوال الدولة العثمانية، وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى.

وبالحديث اليوم عن إيران التي ظهرت على مسرح الأحداث بفعل دعم دولي لثورتها ولأسباب عديدة أهمها:

1- دعم الولايات المتحدة لنظام طائفي (شيعي) يشكل معادلًا للقوى السنية الموجودة في الشرق الأوسط، لإيقاف التقارب بين حكومة الشاه وكل من مصر ودول الخليج العربي.

2- تحويل دفة الصراع العربي- الصهيوني إلى صراع طائفي سني- شيعي.

3-استغلال طموح قادة إيران بقيام دولة إيران الفارسية في الضغط على الدول العربية والإقليمية، خاصة تركيا وباكستان، وجعلها جسر عبور للقوى العالمية من أجل التدخل في المنطقة.

وبالفعل بدأ قادة إيران بالعمل وفق ما خطط لهم منذ البداية، فكان هدفهم الأول هو القوة العربية الناشئة والدولة الحديثة التي يتم بناؤها، والمقصود هنا العراق. فقد بدأت الحكومة العراقية الجديدة، بإنشاء قوة عسكرية واقتصادية حديثة وصلت إلى البحث عن دعم دولي لإنشاء مفاعل نووي سمي بمفاعل “تموز”، بالاتفاق بين صدام حسين وجاك شيراك، عندما كان صدام رئيس مجلس قيادة الثورة، لكن إسرائيل دمرته بقصفٍ جوي عام 1981 بتواطؤ مع النظام السوري.

ويذكر ضابط برتبة نقيب في الدفاع الجوي السوري آنذاك، أنه أخبر القيادة السورية بدخول طائرة إسرائيلية المجال الجوي السوري لكنه لم يتلق أي رد رغم تكراره التحذير لأكثر من مرة، وأن هذه الطائرة هي التي دخلت الأجواء العراقية وقصفت مفاعل “تموز” ثم عادت عبر الأجواء السورية، وقد استدعي الضابط وحقّق معه لأشهر ثم عوقب بتأخير ترفيعه لستة أشهر.

وخاض الجيش الإيراني معارك عنيفة مع الجيش العراقي وبدعم أمريكي غربي لمدة ثماني سنوات، خسر فيها الطرفان كثيرًا من الأرواح بالإضافة للخسائر الاقتصادية التي تعدت المليارات، ثم فرض بعدها حصار على العراق كان من نتائجه خروجه من معادلة القوة في الشرق الأوسط، واستنزاف دول الخليج اقتصاديًا، وبالتالي الحفاظ على أسعار النفط بما يخدم اقتصاد الدول الكبرى، وكذلك الحفاظ على نسبة مبيعات مرتفعة للأسلحة.

كانت هذه أولى المهام التي نفذها نظام الملالي في الشرق الأوسط، لتبدأ بعدها محاولة التمدد والتسلل إلى تلك الدول من خلال دعم الأقليات الشيعية فيها، مثل لبنان، حيث أنشئ حزب الله اللبناني لينفذ أجندة إيران في البلد الصغير، كذلك دعمت الحوثيين في اليمن وعملت على تعزيز علاقة استراتيجية مع نظام الأسد الطائفي في دمشق، هذه العلاقة التي آتت أُكلها بدعم النظام السوري في حربه ضد الثورة السورية، الذي تحول إلى ما يعرف اليوم بـ “احتلال عسكري للأرض السورية”، بعد فشل النظام في القضاء على الثورة.

ولتثبيت أركان طهران في المنطقة، كان لا بد من أن تسوق لأفكارها من أجل التغطية على أفعالها، مثل معاداة إسرائيل وشعار الموت لأمريكا، وعليه، اشترى النظام الإيراني ذمم العديد من مدعي المقاومة، مصادرًا قرار المقاومة ضد إسرائيل مع لجم المقاومين وإيهامهم بالدعم.

وامتدت محاولات إيران التوسعية إلى المغرب العربي وشمال إفريقيا، حيث تم الكشف عن خلايا نائمة لإيران وحزب الله ذراعها في المنطقة، ثم تابعت إيران سياستها بإيصال حلفائها إلى قيادة العراق بعد تسليمه للولايات المتحدة الأمريكية.

لكن التمدد السابق، يوقفه تدخل قوات النخبة والحرس الثوري وفيلق القدس في سوريا، بسبب خسائرها الكبرى، وربما يكون القشة التي قصمت ظهر البعير.

فقد أدى هذا التدخل إلى تحول الصراع بينها وبين القوى السنية الكبرى في المنطقة إلى صراع صريح وواضح، ولم يعد حربًا بالوكالة، فبدأ كل طرف يعد لهذه الحرب، فعقدت إيران مع الولايات المتحدة صفقة النووي الإيراني مقابل الدعم الأمريكي لها، في حين سارعت السعودية وتركيا وباكستان بقيادة تحالف إسلامي معاد بالدرجة الأولى لإيران، ويضم معظم الدول الإسلامية في إشارة واضحة لحرب إثنية طائفية وأن إيران لا تمثل العالم الإسلامي.

هذه الحرب وهذا التحالف، كما يبدو من مؤشراته الأولى، سيكون نواة حرب على كافة الصعد، ليس السياسي (تصنيف حزب الله إرهابيًا) أولها، ولا الاقتصادي آخرها، وقد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة سيكون الخاسر الأكبر فيها هو نظام ملالي إيران.

بالنظر للتكوين العرقي الإثني لإيران، نجد أنها تحتوي على أكثر من ستة مكونات رئيسية عرقية إثنية وأنها لا تلتقي سوى بالأرض التي تسكنها وأن بعض هذه الطوائف أو الأعراق تعاني اضطهادًا كبيرًا.

كذلك فإن وجود مناطق تعتبر محتلة من قبل إيران وأهلها يقاومون “الاحتلال”، مثل إقليم الأحواز العربية الذي يخوض حرب تحرير، وإن لم تكن وصلت للمرجو منها لكنها وبدعم عربي وإقليمي قد تتحول إلى حركة مقاومة تقض مضجع الإيرانيين.

الحرب الاقتصادية التي تشن ضد إيران، تلعب دورها أيضًا، وبدايتها تخفيض أسعار النفط الذي تعول عليه إيران كثيرًا في تحسين اقتصادها المتدهور، وتضاف إلى هشاشة النسيج الاجتماعي الإيراني ومروره بانتفاضتي غضب، وسوء الأحوال المعيشية وتدني مستوى دخل الفرد والاستبداد والسلطة المطلقة التي يمارسها النظام، وتوجد جميعها في قبضة مرشد الثورة.

كل هذه العوامل، بالإضافة للخسائر الكبرى التي لحقت بجيشها بسبب تدخله في سوريا ومقتل الكثير من قادة الصف الأول، ستسفر في النهاية عن انتكاسة كبرى لسياسة إيران وخسارة فادحة قد تودي إلى تقسيمها إلى عدة دويلات فينقلب السحر على الساحر.

قد لا يتحقق هذا السيناريو على المدى القريب لكنه سيتحقق على المدى المتوسط لالتقاء مصالح كبرى على ذلك، وكل ذلك يتعلق بما ستتمخض عنه الثورة السورية، والمؤكد أن انتصار الثورة في سوريا هو بداية النهاية بالنسبة لإيران.

تابعنا على تويتر


Top