صحوة علوية؟

أحمد الشامي

وثيقة “الابتدار العلوي” التي أصدرها “مشايخ العلويين” لم تأت من فراغ، فقد استنفد “جيش” الطائفة أغلب مقدراته البشرية، والتدخل الروسي لم يحسم الصراع، والروس لن يموتوا دفاعًا عن الطائفة أو عن اﻷسد. الروس يكتفون بالقصف عن بعد ويتركون لشباب الطائفة والميليشيات والمغرر بهم من السنة مهمة “تنظيف” المواقع على اﻷرض. في النهاية، فالروس مهتمون بمقايضة علويي سوريا مقابل الناطقين بالروسية في “أوكرانيا”.

الروس يريدون قاعدتهم البحرية في “طرطوس” والجوية في “حميميم” وحقول الغاز في المتوسط وهم يستعملون الطائفة كدرع بشري. صحيح أن الروس لا يريدون “تشييع” العلويين لكنهم ليسوا أكثر اهتمامًا بالدم “العلوي” منهم بالدم “السني”، فالروس ينطلقون من مبادئ عنصرية وفوقية ولن يكونوا “إخوة سلاح” مع العلويين لا اليوم ولا غدًا.

إن جاء “انتصار” الأسد بفضل التدخل والغطاء الروسي، فسيبقى شباب الطائفة يموتون لحراسة جيش الاحتلال الروسي وسيبقى العلويون ينزفون لعقود، في حين ينعم الروس بالشاليهات المكيفة، تمامًا كما يحصل في العراق وأفغانستان بين اﻷمريكيين و”حلفائهم المحليين”.

إن كان الروسي لا يبالي بحماية أبناء الطائفة وهم المحسوبون عليه، فما بالك باﻷمريكي واﻹسرائيلي!

اﻷمريكي الراحل من المنطقة لن يعود إليها كرمى لعيون الطائفة الكريمة، واﻹسرائيلي تعاقد مع اﻷسد لكي يحميه ويحمي احتلاله وليس العكس.

يبقى حزب “نصر الله” والشيعة، وهؤلاء أخطر على الطائفة من السنة، فاﻹيراني لديه مشروع إمبراطوري وحضاري متكامل يتلخص في “التشييع” لكامل المنطقة، هذا المشروع لديه فرصة حقيقية للنجاح في وجود دول “سنية” عاجزة و”مشرشحة” من نوع “أصدقاء الشعب السوري”.

كلفة أي “انتصار”، ولو محدود، يتحقق على يد الشيعة ستكون مرتفعة للغاية وستتعرض العقيدة العلوية ﻷزمة أخطر من تلك التي يواجهها السنة. “تشييع” العلويين والسنة هو لب المشروع الإيراني الذي يبني نجاحاته استنادًا إلى فشل كل الأنظمة “السنية” في بناء هياكل ومؤسسات دولة حديثة، باستثناء الدولة التركية، العلمانية.

بعد جيل أو جيلين من الفشل السني ومن انحطاط الفكر الإسلامي السني إلى مجاهل السلفية والتحجر و”الدعشنة”، من يضمن أن لا يطبق السنة (والعلويون…) القاعدة الخلدونية المعروفة “أن المغلوب يقلد الغالب لاعتقاده الخاطئ بكماله…”. هذا هو الهدف الإمبراطوري الإيراني: تشييع المنطقة العربية وإدخالها ضمن النطاق الحيوي اﻹيراني، على ذات المنوال الذي تم بموجبه بناء الإمبراطورية الشيوعية وتسخير موارد الجوار الروسي لصالح الأمة الروسية.

في هذه الحالة يكون العلويون قد دفعوا الثمن الدموي للصراع السني الشيعي المفترض وسيكونون ضحايا انتهاء هذا الصراع حين ينتهي، هذا إن انتهى.

في حالة انهيار الحلف الداعم للأسد سيدفع العلويون أيضًا ثمن الهزيمة من دمائهم، ولن يجدوا آذانًا صاغية لدى “أشقائهم” السنة، الذين أشبعهم الزبانية المحسوبون على الطائفة ذبحًا وقصفًا وبراميل منذ عقود.

باختصار، أصدقاء اﻷسد ليسوا معنيين بإنقاذ الطائفة إن دارت عليها الدوائر وهم، إن أتوا، فسيأتون بعد أن يكون قد قضي اﻷمر، كما فعل اﻷوروبيون حين تدخلوا في “رواندا” عام 1994 ﻹنقاذ حلفائهم من “التوتسي” وإعادتهم للسلطة، لكن بعد أن تم قتل مليون “توتسي” بالسكاكين ودون استعمال أسلحة نوعية.

بكلمة أخرى، ستكون الطائفة العلوية، كأفراد وكعقيدة، خاسرة على المدى البعيد، فليس لدى السنة ما يخسرونه سوى الذل والعبودية.

وثيقة “الابتدار العلوي” التي تجنبت إدانة مجازر اﻷسد حاولت أن تعزل الطائفة عن نظام العصابة، وهذا اﻷمر كان سيكون له كبير اﻷثر لو أتى قبل الهولوكوست السني، لكنه يبدو، مع اﻷسف، كمحاولة متأخرة لتجنب سيناريوهين أحلاهما مر.

سيناريو “الحراكيين” المتعاونين مع المستعمر الفرنسي في الجزائر والسيناريو “الرواندي”.

تابعنا على تويتر


Top