التفاهمات البوتينية ومفاوضات الجعفري

حذام زهور عدي

قد تكون التفاهمات الروسية- الإسرائيلية أهم التفاهمات البوتينية المؤثرة على الشعب السوري، وأكثرها بعدًا عن مصالحه، وإهانة للدولة السورية.

فبعد الجفوة الملموسة بين نتنياهو وأوباما، والتعالي الذي ظهر منه وكأنه هو رئيس الولايات المتحدة، خاصة في موقف الكونغرس منه، أدارت السياسة الإسرائيلية ظهرها لأمريكا وتوجهت إلى روسيا لأسباب متعددة:

  • الاتفاق النووي الأمريكي- الإيراني الذي كان لإسرائيل تحفظات عليه.
  • محاولة أوباما تحقيق حلم إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ورفض نتنياهو تلك المحاولة.
  • الموقف الأوبامي غير المؤثر بالوضع السوري على عكس الموقف الروسي.
  • التأثير الروسي الكبير في الوضع السوري من خلال دعم النظام الأسدي، السياسي والمالي والعسكري السابق، ثم التدخل العسكري المباشر والقواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية في ساحل شرق المتوسط.

لقد وجدت السياسة الإسرائيلية أن روسيا أصبحت جارتها الشمالية المهيمنة على الدولة السورية وقراراتها، وبوتين رئيس قوي لا يتردد بل يُعتمد عليه، ومن نافل القول إن لهما مصالح مشتركة في سوريا، ما دفع بنتنياهو للهرولة إلى الكرملين عشية وصول الطائرات الروسية المتطورة الأجواء السورية.

كانت طلبات نتنياهو التي تسربت والتي يُمكن توقعها هي: أولًا، معرفة نوع السلاح الروسي الذي سيصل إلى الأيدي السورية، والذي قد يبقى في تلك الأيدي على افتراض انسحاب روسي محتمل. وثانيًا، تعهد روسي بحرية الحركة للطيران العسكري الإسرائيلي في الأجواء السورية وعدم اعتراض الطائرات الروسية له، حيث يجد أنه من المهم ضرب مناطق عسكرية معينة أو ضرب خطوط إمداد الصواريخ لحزب الله. وثالثًا، التعهد باستمرار السلام في الجولان، وعمليًا الموافقة على بلعه. ورابعًا، ألا تتم أي تسوية للصراع السوري إلا بعلم إسرائيل، وربما بموافقتها. وخامسًا، الالتفاف على الاتفاق النووي الإيراني وقصقصة النفوذ الإيراني في سوريا من خلال تأثير تحالفها مع إيران، فهي لا تريد في موقع التماس معها من ينافسها ويقاسمها النفوذ ويُزعجها بطلباته. وسادسًا، التنسيق بين الشركات الإسرائيلية والروسية بموضوع المكتشفات البترولية والغازية في الساحل السوري، ومن يدري فقد تكون هناك تفاهمات سرية أخرى. وبالطبع فلبوتين طلباته أيضًا من إسرائيل، والمساومة هنا سيدة سوق التفاهمات، هو يعلم مدى النفوذ الإسرائيلي في أوروبا وأمريكا، ولأوكرانيا والعقوبات الاقتصادية علاقة وثيقة فيها، فلِمَ لا يوافق على المصالح الإسرائيلية في سوريا ويأخذ منها ما يضمن مصالحه المهمة في مكان يعلم تمامًا أنها تؤثر فيه.

فاجأ بوتين إسرائيل كما فاجأ آخرين بإعلانه عن الانسحاب الجزئي من السماء السورية، وشك الإسرائيليون كما الإيرانيون بوجود تفاهم أمريكي- روسي قد لا يكونون في صورة تفاصيله، فطار راؤبين ريفلين رئيس إسرائيل إلى موسكو ليطلع على الموقف الروسي بتفاصيله المملة، فليست إسرائيل ممن تترك مصالحها للصدفة، أو تهمل أي مبادرة تتعلق بسياسة التفوق التي تتبعها من زمن وجودها كسياسة استراتيجية لها، وللإحاطة بأبعاد ذلك الانسحاب، علمًا أن اللوبي الصهيوني الروسي ليس بعيدًا عن بوتين، لكن بوتين يعمل لمصلحته بالتوازي مع المصلحة الروسية أولًا، ويتحرك بتفاهمات متعددة ليس أقلها التفاهم الروسي- الأمريكي، أو الروسي- الإيراني، ثم الروسي- الإسرائيلي، إنه حقًا سيد التفاهمات الدولية بالرغم من احتلاله لجزيرة القرم وتقسيم أوكرانيا واحتلاله لسوريا، ودفع النفوذ الغربي التاريخي في منطقة الشرق الأوسط إلى خانة “اليك” كما يُقال. لقد جعل الأسد والإيرانيون وسياسة أوباما بوتين سيد العالم الجديد، وأعطوه فرصة الثأر لتاريخ روسيا والاتحاد السوفييتي من خلال بيع الوطن السوري ومن أجل كرسي السلطة.

من خلال التفاهمات المفترضة السابقة، ومن خلال واقع الاحتلال الروسي لسوريا، ذلك الاحتلال الذي لا تُرى نهايته في المدى المنظور، نجد ويجد العالم معنا، تفاهة ورقة الجعفري، بوضع بند تحرير الجولان، (بعدما تناساها نظامه، الأب والابن، أربعين عامًا)، في مفاوضاتٍ هدفها الرئيس الانتقال السياسي من نظام الديكتاتورية لنظام الديموقراطية والمواطنة، ونراها شبيهة بدفع المقتول معراج الكيالي لرفع علم تحرير اسكندرون بعدما تنازل عنه في اتفاقات سابقة مع تركيا، وكأن تحرير الأراضي السورية هي ورقة مساومات شخصية، وليست الهدف الوطني الأول لأي سلطة لها علاقة بالوطن والشعب والدولة التي تحكمها. والمضحك المبكي أن يتحدث مندوب الأسد عن الجولان واسكندرون في الوقت الذي يحول الوطن إلى ورقة بيد احتلال مضاعف، إيراني روسي، يعقد الصفقات والتفاهمات مع العدو المفترض للمقاومة والممانعة، ويساوم وفق مصالح إسرائيل.

فأي سخرية هذه التي تلعب بمثل هذه الأوراق في ملعب التفاهمات البوتينية العالمية. يظن الجعفري ومعلمه، أنه يسخر من المفاوضات، وما درى أو درى، سيان، أن العالم كله يسخر منه.

تابعنا على تويتر


Top