الثورة السورية وعقدة الاقليات

جريدة عنب بلدي – العدد 56 – الأحد – 17-3-2013

مشاركة – أحمد د.

عامان مرّا على عمر ثورة تفتقت من رحم صبر طويل وألم مرير، ثورة شعب جميل ترفّع عن أوجاعه لسنين طوال إلى أن طالت يد الجلاد أطفالًا صرخوا على حيطان اعتادت أن تمجّد الطاغية فإذا بها تشهد أنَّ لكلِّ طغيانٍ يوم. لم يكن في بالهم حينها أن نظامًا أعطوه من التحمّل الكثير سيرد بأقسى مما يمكن لعاقل توقعه. ليذهل هذا النظام بأدائه العالم مسجّلًا سابقةً كأوّل نظام في التاريخ يقصف شعبه، ويموت في ظله من السوريين ما يزيد عن مجموع ما فقدته سوريا في عشرات الحروب مع عدو خارجي.

إن الموضوع الأكثر إثارة للانتباه هو عزوف الأقليات كصفة عامة عن الالتحاق بالثورة وهو ما يعتبر من أحد أهم أسباب تأخر الثورة في تحقيق مرادها وهذا بدوره حمّل الوطن أعباء إضافية من دم أبناءه. وللخوض في هذه المسألة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار سياق الأحداث وتتابعها وتركيبة هذه الأقليات وخلفياتها.

سأتطرق هنا إلى العلويين كأحد أبرز هؤلاء، والفئة الأكثر إثارة للجدل منذ بداية الحراك، وباعتباري واحدًا من أبنائها قد أتمكن من تفهم هواجسها وتركيبتها النفسية.

باعتقادي أن ثمة خطأ استراتيجي مرتكب منذ عقود في نظرة السوريين إليهم، وهو أنهم يرونها مستفيدة من النظام بحكم أن رأس النظام ينتمي إليها بالاسم، والحقيقة أن النظام هو من استثمر في هذا الانتماء وسخره باقتدار لحماية عرشه والزود عنه، وشتان ما بين الحالتين. فلو صحّت الحالة الأولى كان يكفي لأن تنتسب إلى هذه الطائفة لكي تأخذ المكاسب والفرص، وهذا ما يجهد النظام إلى بثه وإقناع العلويين به، ولو بشكل غير معلن، وعاونه بذلك الكثيرون ممن هم في صف الثورة، وهو ما دحضه الواقع، فيكفي زيارة قرية من قرى الريف الساحلي لتجد أهلها يعانون البطالة والفقر كما يعانيه معظم السوريين ويزيد. كما أنهم عانوا -وما زالوا- سطوة رجال الأمن حتى من بني جلدتهم ولم يكن مسموحًا لهم حتى التنفس في غير هوى النظام ليعتقلوا ويهانوا ويموت بعضهم في السجون.

لقد دفع العلويون ثمن علويتهم باهظًا، فكانت حصتهم من سوط النظام عند الخطيئة أضعافًا، كما عمل النظام جاهدًا على تشتيتهم وتفريقهم، ونصّب نفسه المرجع الوحيد لهم معارضًا بقسوة أي محاولة لتأسيس مجلس مرجعي لهم، وسحق القائمين عليها، ومثالها الاغتيال المشبوه لطبيب كان يقوم على فكرة كهذه اسمه المهلب حسن منذ ما يقارب العقدين، بينما جهد على الضفة الأخرى من أن يكثر من الاعتماد على عدد منهم في مواقع أمنية حساسة عازفًا في بعض الأحيان على ولائهم الطائفي.

في تزويره للتاريخ حاول النظام الترويج وعلى مدى حكمه أنه هو من مكنهم من أن يكونوا آمنين على أرواحهم بعد أن كان دمهم مستباح وبخاصة من السنة، وهذه كذبة انطلت على الكثيرين، حيث كان النظام قد بنى على ما تعرضوا له من ظلم إبان فترة الاقطاع الزراعي، عندما مارس معظم الاقطاعيين، ومنهم الاقطاعي العلوي، ظلمهم على جميع من يقع تحت سلطتهم ولم تكن الطائفية سببًا لهذا الظلم إطلاقًا.

أما بعد اندلاع الثورة فقد كان كافيًا أن يبرز النظام أحداثًا طائفية لم يكن هو ذاته بريئًا منها ليقنع العلويين أنهم المستهدف من وراء هذا الحراك، وكان أبرزها حادثة مقتل الشاب نضال جنود في بانياس والتي مازالت تظهر بشكل يومي على كل وسائل إعلام النظام. إذا أضفنا إلى ذلك اللهجة الطائفية التي تبناها الكثيرون ممن هم في صف هذا الحراك حيث عجزت حينها معظم قوى الثورة أن تتنصل من هذه التهمة لأسباب متعددة لا مجال للخوض فيها الآن. لقد جهد الكثيرون في صف الثورة ومنهم ذوي أحقاد طائفية جليّة أن يرهبوا كل بقية السوريين ورفع شعارات الدولة الإسلامية واسترجاع فتاوى كفتوى ابن تيمية إلى بث حالة من الرعب داخل هذه الفئة من الناس وجعلتهم يتمسكون بخيار اعتبروه أقل سوءًا متمثلاً النظام.

إن حل عقدة الأقليات لا يتم بالكلام الإنشائي والخطابات، بل بالبحث في جذر هذه المشكلة والتعامل مع أسبابها وليس رجم النتائج والحكم من خلالها. أما المسؤولية الكبرى فهي تقع على عاتق النخب الثقافية والاجتماعية السورية والتي عجزت حتى الآن أن تأخذ دورًا أو أن تبلور موقفًا ينسجم مع حجم الكارثة التي تحصل الآن، فغيابهم ترك الفضاء رحبًا لفكر التكفير والتطرف على حساب قيم المساواة والعدالة الاجتماعية والسياسية.

على الأقليات جميعًا، ومنها العلويون، أن يدركوا أنهم شركاء في هذا الوطن وأن النظام مهما طال بقائه لن يستمر طويلًا، كما أن هذه الثورة قامت ضد الاستبداد والإقصاء من أي طرف كان وبعض الأخطاء والأحقاد التي تظهر هنا وهناك هي ليست الصورة الغالبة لهذا الحراك، فمريض يحمل سرطانًا في جسده لعقود يحتاج إلى جراحة قاسية ومؤلمة لإزالته كما يحتاج إلى فترة ليست قليلة للتعافي، وعليه أيضًا أن يكون مستعدًا لقروح ما بعد الجراحة، ولكنه بكل تأكيد ليس قادرًا على الاستمرار حاملًا لهذا الداء الخبيث. إنه امتحان ما زال الكثيرون متوجسون من مواجهته، ولكن عليهم أن يدركوا حجم العار الذي سيتركونه لابنائهم فيما لو استمروا بنفس الزخم، يقدمون أنفسهم وأولادهم حطبًا لشهوة وجشع النظام الجائر للسلطة ولو فوق بلد محروق بكامله.

 

تابعنا على تويتر


Top