حتى إذا استيأس الرسل… نظرة على معاناة شعب

-بلدي-العدد-العاشر-الأحد-8-نيسان-2012.pdf-Page-10-image-3.jpg

بعد مرور عام على الثورة السورية، عام يرزح فيه السوريون تحت نير أشد أنواع العذاب وأقساها، عام عاد فيه السوريون إلى فترة العصور الوسطى مع وحشية أساليب التعذيب وحيوانية الجلاد. عام ضاق خلاله الخناق على الشعب السوري في كافة مقومات الحياة، فما آلت إليه الأمور في حمص وإدلب وحماة وريف دمشق ما هو إلا إشارات تنذر بتسلل اليأس إلى قلوب البعض لدرجة قد تنال من عزيمتهم، فالقصف العشوائي والدمار الشامل واقتحام المدن وتهديم البيوت فوق رؤوس ساكنيها وتهجيرهم قد بلغ ذروته واشتد الخطب إلى درجة لم يعد يطيقها المتضررون وكانت هذه الخطة التي أرادها النظام وخطط لها منذ بداية الثورة. وبالعودة بالزمن نحو الوراء، نجد أن النظام يتبع سياسة الأرض المحروقة منذ البداية، فلقد بدأ بشن حرب اقتصادية استنزفت الشعب ومقدراته، فاشتداد القبضة الأمنية على معظم المدن والبلدات أدى إلى خلق أزمة خبز خانقة، فكان أن حارب النظام شعبه بلقمة عيشه علّه يثنيه عن المضي في الاحتجاج ضده ولكن هيهات!! فانتقل النظام بعدها إلى منع مادة المازوت عن الشعب من خلال تخفيض مخصصات محطات الوقود مما أدى تأزم الوضع واصطفاف طوابير الناس والمركبات على جنبات الطرقات لساعات وساعات، وارتفاع سعر البنزين وفقدان الغاز لفترة من الزمن وارتفاع سعره هو الآخر، وكان أن بدأ النظام بعد إفلاسه بمسلسل تقنين الكهرباء فباتت تقطع عن معظم المدن بتواتر يشل الحياة.

لم يكتف النظام الساقط بذلك، بل ازدادت حدة اقتحام المدن وقصفها، وازدادت حملات الدهم والسرقة والتخريب في رسالة للشعب أن النظام وزبانيته قادرون وبكل سهولة على تدمير البيوت وتشريد الناس وسرقة أموالهم بيد أنهم لا يملكون ردعهم بأية وسيلة كانت.

وتستمر المعاناة، فمع استمرار اعتقال الشباب السوري وزجهم في سجون الظلم الأسدية، ومعاناتهم لصنوف العذاب وانتهاك لأبسط حقوقهم الإنسانية، يتعرض المعتقلون لانتهاكات جسدية وجنسية لم يسبق لها مثيل في وحشيتها، وقصص تعذيب لم نسمع بها حتى في كتب أساطير الأولين، ناهيك عن قصص الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب وسرقة الأعضاء والعديد العديد من الانتهاكات السافرة. وكل يوم، العشرات من الشهداء يسقطون الواحد تلو الآخر وكأنهم مجرد أرقام تمر في الذاكرة، ويستمر استهداف الأطفال والعائلات وذبحهم بكل قسوة ووحشية وبطرق تلعب على وتر الطائفية تقشعر لها الأبدان، أضف إلى عمليات الاغتصاب التي تشتد وطأتها في حمص، الشرارة التي أشعلت فتيل هجرة الأهالي وهجرهم حمص الوطن والتشرد هنا وهناك هرباَ بأعراضهم خوفاً من أن تنهشها حيوانات مفترسة أعمى عيونها حقد طائفي دفين.

ويبقى تحويل سوريا إلى معتقل كبير قصة أخرى، فمع تشديد القبضة الأمنية على كافة المدن دون استثناء، بدأ النظام بتقطيع أوصال سوريا وفصل المحافظات عن بعضها البعض من خلال الحواجز المزروعة على الطرقات الدولية، كما عمل على فصل المدن وانتهى الأمر به إلى تقطيع أوصال الأحياء حتى، فالحواجز منتشرة في كل مكان والتشديد الأمني تزداد وطأته أكثر فأكثر حتى انتهى بإصدار قرار يمنع سفر من تجاوزا سن الثامنة عشرة ولم يتجاوزا سن الثانية والأربعين إلا بموجب ترخيص من الفروع الأمنية ذاتها بعد مراجعة شعب التجنيد لمنع السوريين من مغادرة البلاد في محاولة لكبح جماح حركة النزوح التي أحدثت للأسد أزمات فوق أزماته وأربكته دولياً أو لزج من هم في سن الخدمة العسكرية داخل أتون الخدمة الإلزامية لسد العجز المتنامي جراء عمليات الانشقاق عن الآلة العسكرية المتزايدة كل يوم.

وهذا التضييق الخانق لهو أشبه بحالة المخاض، فاشتداد الطلق على الحامل ما هو إلا دليل واضح على دنو الولادة واقتراب الفرج. وتحضرني هنا قصة يوسف الصديق، النبي المعذب، من نفاه أخوته وأبعدوه عن أبيه لسنين طويلة، ذاق خلالها أقسى أنواع الظلم، غيّب في غياهب السجن ظلماً وزوراً وبهتاناً، وبعد ذل وظلم، أصبح عزيز مصر ومالكاً لزمام أمورها، ومن ظلمه يوماً أتى إليه راكعاً بين يديه، أذلهم الله وأعز يوسف الصديق بعد صبر سنين وبعد أن ظن أن السجن سيكون مقراً له للأبد، فكان قول الله حقاً «حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)» (سورة يوسف)، وما هذه الآية إلا دليل نصر من لدن عزيز قدير لشعب سطر بصبره وثباته تاريخاً جديداً وأصبح مثالاً يحتذى ومناراً للجميع. وإن أحس السوريون يوماً باليأس لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر، فإن هذه الآية عزاء للقاصي والداني فهم بصبرهم ينتظرون طي صفحات من العذاب وإنهاء فصول الخراب وإسدال الستارة على مسرحية الظلم وبدء فصل جديد من الحرية والعدالة والمساواة والإنسانية.

تابعنا على تويتر


Top