داريا… مداد الدم

أحمد الشامي

أول مقالة نشرتها لي «عنب بلدي» كان عنوانها «دارياسريبرينيتشا الشام» من يومها، تجاوزت «داريا» مذبحتها الشهيرة لتصبح رمزًا للمقاومة وهي تقدم الشهداء كل يوم: مقاتلين أشداء يلاقون وجه ربهم بعدما أذاقوا شبيحة اﻷسد مُرّ العذاب، مدنيين استشهدوا صامدين في ما بقي من بيوتهم، وشهداء كلمة تقدمهم «داريا» و «عنب بلدي» على مذبح الحرية والتحرير.

10

آخر الشهداء هو الصديق الذي لن أراه أبدًا، «أحمد خالد شحادة» الذي غادرنا إلى دار البقاء بعدما قصفت داريا للمرة اﻷلف. منذ أربعة أشهر و «داريا» الذبيحة تتعرض للقصف والهدم وتصمد، «أحمد» بقي فيها، «عنب بلدي» ظلت تصدر بانتظام ولم تعد صحيفة، فقد أصبحت أسطورة ورمزًا للصمود والنضال وللبقاء في المكان في وجه أكثر الغزاة همجية منذ «التتار».

لم تتعرض بلدة في الشام لما تعرضت له «داريا» من حصار وقصف، وحدها «حمص» تنازعها قصب السبق. لكن «داريا» استمرت في رفع راية الكلمة وحمل البندقية في آن معًا. إن كانت «حمص» عاصمة الثورة السورية دون منازع فـ «داريا» هي عاصمة الكلمة الحرة بامتياز.

مداد الكلمة الثورية من الدم، من دم الشهداء وتضحياتهم، أمام ما قدمه هؤلاء نشعر نحن، القابعون في غربة آمنة، أننا صغار. همومنا صغيرة، تضحياتنا تافهة، مساهماتنا رخيصة.. باختصار، حين يتحدث الشهداء فأمثالنا يخرسوننحن صغار وصغار جدًا أمام هذه القامات العملاقة: حمزة، غياث، باسل، أنور، وغيرهم آلاف مؤلفة وآخرهم، ولن يكون أخيرهم، أحمد.

حين طلب مني اﻷصدقاء في «عنب بلدي» المساهمة بعمود أسبوعي، جاء في رسالتهم أن «طاقم التحرير المحلي يتعرض لنزف يومي بفعل القصف الذي قطّع أوصاله ..». كانت هذه كلمات «مشروع شهيد» ينتظر دوره للحاق بمن سبقوه.

رغم القصف وتقطيع اﻷوصال وقوافل الشهداء ورغم الدماء والدموع، رغم جحافل الغزاة والقتلة، لم تتوقف «عنب بلدي» عن الصدور، شوكة في حلق القاتل اﻷسدي..

تحية إلى كل من استشهد ومن ينتظر، داريا سوف تحيا وسنزورها محررة، «عنب بلدي» لن تموت ولتقر عيون الشهداء، فقد أقسمنا جميعًا، من استشهد ومن ينتظر، أن يفنى اﻷسد.

تابعنا على تويتر


Top