أسعار العقارات على موعد مع ارتفاع جديد الصيف المقبل

الدولار والهدنة يرفعان أسعار العقارات في المحافظات 15%

4.jpg

عنب بلدي – اقتصاد

بعد سنوات من جمود حركة سوق العقارات في سوريا بسبب الحرب، شهدت الأسواق مؤخرًا، سواء في مناطق سيطرة النظام أو المعارضة، حركة كبيرةبعد توفر عدد من المعطيات، أبرزها الهدنةالمؤقتة بين طرفي القتال، وتحرك سعر الصرف وتراجع الليرة لمستويات قياسية وصلت إلى 510 ليرات أمام الدولار.

مع ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة بحدود 30% خلال الأشهر الماضية، ارتفعت أسعار العقارات (بيع وشراء) بحدود 15% في دمشق وبعض المحافظات الأخرى، وفق ما ذكره أصحاب مكاتب عقارية لعنب بلدي، ونتيجة لذلك تحوّل عدد كبير من السوريين من الادخار بالقطع الأجنبي إلى الادخار عبر شراء أصول عقارية، سواء سكنية أو تجارية.

ولم يعد ممكنًا إيجاد شقق مفروشة أو دون فرش في دمشق أو حلب في مناطق النظام تلائم مستويات دخول المواطنين، ويرى أصحاب مكاتب عقارية ومواطنون أن الإيجارات تسعّر بشكل غير منطقي، فأصبحت ترتفع كل ستة أشهر حوالي 15% إلى 25%، وسط توقعات بارتفاع الأسعار بشكل كبير خلال الصيف المقبل.

الحركة الكبيرة على أسعار العقارات ظهرت بوضوح منذ بداية العام الحالي وتحرك المواطنون باتجاه العقارات والذهب ضمانًا لمدخراتهم من الليرة السورية، التي باتت تخسر قيمتها يومًا بعد يوم، وهذا ما اعتبره بعض أصحاب مكاتب العقارات في دمشق من أبرز العوامل التي حركت الأسعار، وأعطى إقبال المواطنين على الشراء مكاتب العقارات والشركات المتخصصة في التطوير العقاري أملًا بجدوى الاستثمار في هذا القطاع رغم هذه الظروف.

ارتفاع أسعار الإيجارات 300%

بالعودة إلى عام 2010، كان سعر صرف الدولار 47 ليرة، وكانت إيجارات المنازل في مناطق ريف دمشق بين 5 و 10 آلاف ليرة، بينما كانت تتراوح الأسعار في دمشق بين 10 و 40 ألف ليرة سورية، إلا أنه بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الثورة وتدهور الليرة إلى أدنى مستوياتها، ونزوح معظم الأهالي إلى دمشق من الضواحي نتيجة اشتداد المعارك في مناطق قريبة ومن المحافظات الأخرى، ارتفعت إيجارات المنازل بشكل “جنوني” وصلت إلى نسبة 300%.

في ريف دمشق، تبدأ إيجارات المنازل من 15 ألف ليرة لتصل إلى 65- 75 ألف ليرة في مناطق مثل ضاحية قدسيا وجديدة عرطوز وصحنايا، بحسب مساحة المنزل، بينما في دمشق يبدأ إيجار المنزل من 50 ألف ليرة، مثل مناطق برزة البلد وركن الدين، ليصل في بعض المناطق إلى حدود 150 ألف في مناطق الزاهرة والشعلان في قلب العاصمة دمشق.

مبيعات المنازل ترتفع أربعة أضعاف

أسعار بيع الشقق السكنية في ريف دمشق لم تكن بحال أفضل على المواطنين من الإيجارات، فقد تراوح سعر المتر الواحد “مكسي” بين 100 و 150 ألف ليرة بعد أن كان بين 13 و 24 ألف ليرة قبل 2011، بمعدل ارتفاع قدره أربعة أضعاف، فوصل سعر الشقة السكنية في ضاحية قدسيا وجرمانا إلى حوالي 20 مليون ليرة.

وفي دمشق، يختلف سعر المتر بحسب المنطقة وقربها من مركز المدينة، ففي مساكن برزة وصل سعر منزل مساحته 140 مترًا مربعًا إلى 25 مليون ليرة، بينما وصل سعر متر المربع الواحد “مكسي” في منطقة ركن الدين إلى حدود 173 ألف ليرة، وبلغ سعر شقة مساحتها 115 مترًا مربعًا حوالي 20 مليون ليرة، أما في منطقة مشروع دمر فوصل سعر منزل مساحته 200 متر مربع إلى 50 مليون ليرة، بسعر 250 ألف ليرة للمتر الواحد.

بازاراتإلكترونية للبيع والشراء

تنتشر عشرات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي متخصصة ببيع العقارات، تعرض شققًا ومحال تجارية في مختلف المناطق السورية، وأغلب هذه العقارات للبيع وليست للشراء، في خطوة يفسرها المتابعون لحركة السوق على أنها رغبة من قبل الملّاك ببيع بيوتهم وممتلكاتهم بداعي السفر والهجرة، بعد أن دخلت الأزمة السورية عامها السادس دون وجود فرص حقيقية لحل يضمن بقاء السوريين في بيوتهم.

يمكن لمتتبع صفحات بيع وتجارة العقارات على “فيسبوك” أن يلحظ إقبالًا على الإيجار على حساب الشراء، وذلك بسبب ارتفاع أسعار العقارات الباهظ، فلا يمكن لمن يرغب بالعيش ضمن أحياء مدينة دمشق أن يجد منزلًا بأقل من 20 مليون ليرة، دون فرش، ولا يمكن لمن يرغب باستئجار منزل أيضًا أن يفعل ذلك دون أن يدفع 150 – 200  ألف ليرة شهريًا.

هذه الأسعار لم تكن عند هذا الحد قبل عامين تقريبًا، ولم تكن كذلك قبل العام 2011، حيث كان بالإمكان استئجار شقة سكنية لمدة عام بحدود 200 ألف ليرة، لكن سماسرة ووسطاء عقاريين يؤكدون أن أسعار العقارات هي نفسها لم ترتفع، وما حصل هو تراجع حاد في قيمة الليرة، أثر سلبًا على قدرة المواطنين الشرائية.

على سبيل المثال، يبلغ سعر شقة سكنية في منطقة ركن الدين، 80 مترًا، غرفتان وصالون 38 مليون ليرة، ويبلغ سعر منزل آخر في منطقة أسد الدين، مساحة 85 مترًا، 18 مليونًا، وكذلك يبلغ سعر منزل آخر في نفس المنطقة، مساحة 90 مترًا مع حديقة 60 مترًا نحو 60 مليون ليرة. ووصلت أسعار العقارات في هذه المنطقة إلى هذا المستوى بسبب الإقبال على الشراء والاستئجار نتيجة الكثافة السكانية ولكونها منطقة “مقبولة”، ومن يعيش فيها هم من ذوي الطبقة الوسطى والمهجرين من الأرياف.

اتفاق خفيعلى رفع الأسعار

مع استمرار الأزمة وطول أمدها، يبدي مواطنون رغبة كبيرة في شراء العقارات وتملكها على عكس الاستئجار، لا سيما في دمشق وريفها، وبالتالي التخلي عن دفع مبلغ شهري للإيجار يقدر وسطيًا بحدود 100 دولار في المناطق الشعبية والمتوسطة، مثل مساكن برزة وركن الدين والزاهرة وغيرها، لكن هذه الحالة نسبية نوعًا ما، ولا تنطبق على معظم المناطق، وهي مرتبطة إلى حد كبير بتوفر السيولة والحالة المادية للراغب بالشراء.

يقول بلال حسين، 35 عامًا، أنه اضطر إلى شراء منزل في منطقة المزرعة بسبب ما لاقاه من صعوبات في إيجاد منزل للإيجار، وغلاء الأسعار في تلك المنطقة ومعظم مناطق دمشق، مشيرًا إلى أن هناك اتفاقًا “خفيًا” بين أصحاب الشقق السكنية والسماسرة على رفع الأسعار وسط غياب الرقابة الحكومية. ويتفق كلام حسين مع ما قاله سماسرة لعنب بلدي عن أن أسعار الشقق السكنية ترتفع تلقائيًا كل ثلاثة أو ستة أشهر بنسبة 25%.

وتبدو فرص المواطنين بالحصول على الشقق “كبيرة” بسبب وفرة المعروض للشراء، وخاصة في المناطق العشوائية، والرغبة بالحفاظ على قيمة العملة بتحويلها إلى العقارات، وهو ما نشّط حركة السوق خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لكن عقبات كبيرة تواجه من يرغب بشراء عقار في مناطق سيطرة النظام، منها ضرورة الحصول على موافقة أمنية تسمح للشاري بالتملك في منطقة ما، إذ لا يمكن إبرام عقد بيع وشراء دونها. في حين يقول مواطنون إن النظام يعمد إلى تطبيق هذه القرارات لضمان ولاءات من يعيشون في مناطق سيطرته، بعدما نزح إليها آلاف المواطنين ممن تعرضت منازلهم للدمار بسبب القصف في ريف دمشق وحلب وغيرها.

نشرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا)، التابعة للأمم المتحدة، في 2014، تقريرًا كشفت فيه أن عدد المنازل التي دمرت في سوريا، بلغ مليوني منزل، منها 678 ألف منزل دمّر بشكل نهائي و509 آلاف منزل مدمر بشكل جزئي، إضافة إلى 862 ألف منزل تضررت فيها البنى التحتية من خطوط الكهرباء والمياه.

وأشارت الدراسة إلى أنّ أكثر المدن تضررًا جراء الحرب هي مدينة حلب، حيث دمر أكثر من 450 ألف منزل ويأتي بعدها ريف دمشق بتدمير أكثر من 350 ألف منزل، أما حمص فتأتي في المرتبة الثالثة بأكثر من 200 ألف منزل مهدّم.

وبحسب، رئيس البنك الدولي، جيم يونغ كيم، فإن تكلفة إعادة بناء سوريا تصل إلى 180 مليار دولار، فقط لإعادة سوريا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الحرب، وأنه يجب إعادة بناء البنية التحتية والمدارس والعيادات الصحية، حتى يتشجع اللاجئون للعودة إلى بلادهم.

 تباين حالة الأسواق في المناطق المحررة 

غياب المكاتب العقارية والسماسرة عن الواجهة في المناطق المحررة، على عكس مناطق النظام، خلق حالة من الأريحية في التعامل لجهة استئجار العقارات وبيعها، إذ يغيب “الكومسيون” وأتعاب المكتب والنسبة التي يجب أن تذهب للسمسار وغيره، لكن هناك مناطق آمنة أكثر من غيرها، وهو ما يشكل فرصة للتحكم بالأسعار ورفعها حسب رغبة مالك الشقة أو العقار. ففي الوقت الذي يبلغ فيه إيجار بعض المنازل في حلب المدينة حوالي 10 آلاف ليرة (20 دولارًا) شهريًا يتجاوز إيجار المنزل في منطقة اعزاز الـ 150 دولارً،  بسبب ارتفاع نسبة الأمن هناك لقربها من الحدود التركية وغيرها، بحسب مراسل عنب بلدي، وهذا الأمر ينطبق على كثير من مناطق إدلب كسرمين وإدلب ودركوش وحارم، حيث يبلغ إيجار شقة سكنية في سرمدا حوالي 250 دولارًا أمريكي كحد أدنى، و100 دولار أمريكي في دركوش.

كيف يتم تأجير البيوت في حلب؟

في أغلب الأحياء المحررة، يوجد أشخاص يعرفون أصحاب المنازل المعروضة للإيجار، ويكون هؤلاء في الغالب خارج هذه الأحياء، إما في مناطق سيطرة النظام أو هاجروا إلى دول أخرى، يتم التواصل معهم ويعرضون عليهم المستأجر وما يريد دفعه شهريًا وعليه يتم الاتفاق، وهناك قسم آخر من المنازل المغلقة التي يتم فتحها وتأجيرها بعد الاتفاق مع الشرطة الحرة.. وذلك لضمان محتوياتها من العبث والسرقة، بحيث تضمن الملكية لأصحابها الحقيقيين.

ولا يبدو أن حركة سوق العقارات في سوريا ستهدأ خلال المدى المنظور ما لم تضبط أسعار الصرف، وتتوقف حركة النزوح، والتي تضغط بشكل كبير على هذه السوق، وتجعل عامل التحكم بالأسعار بيد قوى السوق المتمثلة حاليًا بأصحاب المكاتب العقارية والسماسرة والملاك، وسط غياب أي قانون للرقابة على الأسعار، ويبقى المواطن المتلقي الأكبر للصدمات التي تخلفها هذه الحالة من عدم الاستقرار في الاقتصاد ككل، ويعد قطاع العقارات مؤشرًا حقيقيًا على الحالة التي وصل إليها الاقتصاد السوري والمواطن في آن معًا.

تابعنا على تويتر


Top