أوراق بنما و”الفئة” الناجية

أحمد الشامي

مجموعة وثائق “أوراق بنما” التي ظهرت في وسائل اﻹعلام العالمية مؤخرًا، هي أرشيف مكتب محاماة في دولة “بنما” يقوم بتزوير حسابات زبائنه وتمرير صفقاتهم المشبوهة عبر بنوك وشركات وهمية باسم أشخاص مغمورين.

هذه الوثائق تكشف الآليات المعقدة التي تمر عبرها ثمار السطو على ثروات الشعوب والتهرب الضريبي والمافيات. مثلًا، حين يريد مسؤول خليجي إخفاء حصته من الصفقات التي يمررها، فإنه يودع “المعلوم” في حساب سري، باسم زبون وهمي وشركة خلبية في بنما، مع الحق في التصرف بالمال كما يريد ودون أن يكون لصاحب الاسم الوهمي القدرة على الهرب بأموال صاحبنا، خوفًا من مبدأ “السارق من السارق كالوارث من أبيه”.

واحات التزوير هذه موجودة ليس فقط في بنما، ولكن في دول أخرى منها الولايات المتحدة والبحرين ولبنان، ومكتب المحاماة هذا يوجد مثله العشرات في بنما وغيرها.

قد يقول قائل: “وما دخل بنما بنا كسوريين يتلقون البراميل فوق رؤوسهم ولا يملكون لا أموال ولا حسابات؟”

الجواب هو أن من يتابع وثائق بنما هذه سوف يجد فيها عائلة اﻷسد، وعمليًا كل أصدقاء عصابة اﻷسد، من انكشف منهم ومن استتر. دعك من اللص غير الظريف “رامي مخلوف” وشركاته ومنها “سيرياتيل”، ودعك من باقي أفراد العائلة “القذرة”، ستجد أيضًا “بوتين” ورجالاته و”أحمدي نجاد”، وغيرهم كثيرون ممن سرقوا ويسرقون شعوبهم وشاركوا ويشاركون في المذبحة السورية،  لدرجة تدفع للظن أن كل هؤلاء عبارة عن “مافيا” واحدة يتضامن أفرادها في وجه شعوبهم وحقوقها.

هذه الوثائق تكشف الوجه الخفي للسياسة والاقتصاد الدوليين، فنجد الكثيرين من الساسة ورجال اﻷعمال يتعاونون لملء جيوبهم على حساب “المعترين” وعلى حساب رخاء شعوبهم واقتصادهم الوطني، عبر التهرب الضريبي وتبييض الأموال.

تكاد هذه الوثائق أن تكون بمثابة “افتح ياسمسم” لمغارة “علي بابا وآلاف الحرامية” الذين يتحكمون برقاب شعوبهم وبالاقتصاد الدولي، من الصين حتى بنما، مع حضور لافت للنخب السياسية العربية، السابقة والحالية، ملكية وجمهورية دون استثناء، كلهم في الحرام سواء.

مع ذلك، هناك استثناءات في هذه الوثائق، فاﻷمريكيون قلائل لدى مكتب المحاماة هذا. الجواب يكمن في حقيقة أن اﻷمريكيين لا يحتاجون للذهاب لبنما من أجل تبييض أموالهم، يكفيهم الذهاب لولاية “ديلاوير” أو “نيفادا” للحصول على ذات الخدمات.

من يشكك في التداخل المفزع ما بين الفساد في العالم والنخب السياسية المنخورة ليتذكر أن “القذافي” قتل حين هدد بكشف حقيقة اﻷموال التي دفعها لصالح ساسة أوروبيين، منهم “ساركوزي”، الرئيس الفرنسي السابق. ساركوزي استعان بعصابة اﻷسد لتحديد مكان وجود العقيد القتيل ثم أرسل قاذفاته لقتل القذافي قبل أن يكشف المستور. زيادة في اﻷمان، أعطى الفرنسيون إحداثيات وجود القذافي وصحبه لكل المقاتلين الليبيين، مع علمهم أن هؤلاء سيقتلون الرجل على الفور دون محاكمة ودون فضائح.

اﻷسد “ابن عالم وناس” ولا يفضح المستور، وهذا ما أكده رامي مخلوف حين ذكر أن “أمن إسرائيل والاستقرار الدولي مرهونان ببقاء اﻷسد”، دون الاستفاضة في الموضوع.. وفهمكم كفاية.

باختصار، من يتابع الفضائح المتتالية منذ “ويكيليكس” وحتى الوثائق اﻷخيرة، يكتشف ليس فقط مدى انتشار الفساد في أكثر أرجاء العالم، لكنه سيلاحظ، أيضًا، أن العالم يتجه نحو انقسام شاقولي بين فئتين من الدول أو المجتمعات، في الفئة اﻷولى “الناجية” وهي دول أوروبا الشمالية وكندا واليابان، يبدو الفساد محدودًا للغاية وهامشيًا، وفي الفئة الثانية وهي اﻷكثر عددًا، يسود الفساد بأشكال مختلفة.

بكلمة أخرى، هناك مجتمعات تحاسب الفاسدين وتعاقبهم، وأخرى يقوم فيها الفاسدون “بمعاقبة” مجتمعاتهم…وانظروا إلى المثال السوري.

تابعنا على تويتر


Top