"وجه تجاري" جديد والأهالي هم الخاسر الأول

تباين السيطرة يُقسّم دير الزور إلى ثلاثة أسواق تجارية

5467886543234567.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

بثلاثة أسواق مختلفة الضوابط والمرجعيات، تدور عجلة الاقتصاد اليومي في محافظة دير الزور، ورغم قرب المسافة بين هذه الأسواق، إلا أنها تختلف عن بعضها في أسعار المواد المعروضة، وحجم حركة البيع والشراء داخل كل منها.

عوامل عدة ساهمت في الوصول إلى الوضع الراهن، وفق الأهالي الذين تحدثت إليهم عنب بلدي، أبرزها حالة الحرب المستمرة والحصار الذي يفرضه تنظيم “الدولة” على بعض مناطق المدينة، ما خلق لكل منطقة حاجاتها وبضائعها، والتي تختلف أسعارها بحسب الحالة الأمنية وحرية تنقل الأفراد وحركة البضائع.

وأثرت قوانين التنظيم في السوق المحلية، إما عن طريق رفع أسعار بعض المواد بعد منعها وتخفيض كمياتها، كالتبغ والكحول واللحوم المستوردة، إضافة إلى الفروج الذي قلت كميته، بسب تشديد التنظيم على طرق الذبح، بينما فرض في مناطق حكمه لباسًا محددًا، ما أجبر الأهالي على شرائه وازداد الطلب عليه.

هذه الحركة الاقتصادية أفرزت وجهًا تجاريًا جديدًا، يختلف عما كان عليه الحال في المحافظة قبل خمس سنوات، يقوده تجار ومراكز قوة مالية جديدة في المجتمع.

الأسواق وفق التركيبة السكانية

وما يميز أسواق دير الزور عن بعضها هي الخصائص التي تتعلق بالتركيبة السكانية كمًا ونوعًا وحالة الاستقرار الأمني في المناطق، كما تتصل بالبعد والقرب عن ميادين القتال.

السوق الأول يقع داخل المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في المدينة، ويشكل ما يضخه التنظيم من مال الجزء الأكبر من القوة المحركة لعجلته، ويتمثل بشارع التكايا الذي تحول إلى مركز نشاط اقتصادي، رغم دمار أجزاء واسعة من تلك المناطق التي تعتبر شبه عسكرية، وفي ظل الإغلاق المتكرر لطريق جسر السياسية، المنفذ البري الوحيد لدخول المواد، والذي لا يسمح عناصر التنظيم سوى لعدد محدد من الشاحنات والأشخاص بعبوره.

السوق الثاني يرزح داخل مناطق سيطرة النظام التي حد الحصار من نموها، كما أثر على مواردها، إذ رغم توفر السيولة المالية، إلا أنها عاجزة عن تلبية الطلب الكبير، فيما يشكل الطيران الوسيلة الوحيدة لإمدادها بالمواد، إضافة لبعض الصناعات والحرف والزراعات البسيطة، وساعد ضيق مساحة المناطق على بقاء السوق قابلًا للنمو رغم قلة بضائعه.

وتشكل السوق الثالث من مراكز البلدات والقرى البعيدة عن الجبهات في ريف دير الزور، والتي يسيطر عليها التنظيم، وازدهرت بعد خروجها عن سيطرة النظام أواخر 2012، مدعومة بعدة عوامل عديدة أبرزها الكثافة السكانية، وتوفر الموارد المالية التي خلفتها “الفورة النفطية” في الريف، إضافة إلى بقائها بعيدة عن الدمار، وأهمها سوق مدينة الميادين في الريف الشرقي.

تنوعت الأسواق والمشاكل واحدة

ورغم اختلاف الأسواق الثلاثة عن بعضها، إلا أن أطراف العملية التجارية تكاد تتفق على مشكلاتها وأبرزها الغلاء وتلاعب التجار بكميات المواد، إضافة إلى ضعف الرقابة من السلطات التي تحكم كل منطقة .

وتعترف شريحة واسعة من التجار بمعاناة الأهالي، إلا أنهم يبدون عجزهم، “نحن منهم ونعاني مثلهم لكننا نريد أن نعمل ونعيش”، يقول مالك محل تجاري في حي القصور(رفض كشف اسمه)، مشيرًا “من حقي أن أربح وهذا هدف كل تاجر”.

ويقف الأهالي عند حدود الربح على أن يكون “منطقيًا”، وفق أم علي (اسم وهمي) وتقيم في الحي، واعتبرت في حديثها لعنب بلدي أن التجار يستغلون الأهالي بشكل غير مقبول، في ظل غياب الرقابة وإهمال ضبط أسعار المواد.

وترتفع الأسعار في مناطق المدينة المحاصرة لأكثر من عشرة أضعاف، إذ يصل سعر الكيلو غرام الواحد من السكر إلى خمسة آلاف ليرة سورية، ويقدر سعر البيضة بـ 400 ليرة، فيما تباع علبة التونة والسردين بمبلغ 110 ليرة، ويصل سعر ليتر البنزين إلى أربعة آلاف.

قاسم، موظف سابق في بلدية دير الزور، وصف ما يحدث في أسواق المدينة بـ “السرقة المعلنة”، مشيرًا في حديثه لعنب بلدي إلى أن “العديد من التجار يحتكرون المواد ويبيعونها بالسعر الذي يريدونه تحت حماية النظام وإشرافه، والذي يحصل بدوره على نسبة من الأرباح”.

ولا يختلف الوضع كثيرًا عن مناطق سيطرة التنظيم، بحسب قاسم، الذي يرى أن “الميزات والسطوة التي منحت لبعض التجار هناك، مكنتهم من التلاعب بالسوق واحتكارها”، بينما يعتبر التجار أن غياب سقف واضح لسعر صرف الدولار ينعكس على جميع نواحي الحياة.

أسعار المواد تتفاوت بين سوق وآخر

رغم تشابه البضائع بين الأسواق في دير الزور، إلا أن أسعارها تتفاوت، وخاصة سوق المعادن الثمينة (الذهب والفضة)، ويعود ذلك للتجار الذين غالبًا ما يتلاعبون بالأسعار، مستغلين عدم قدرة الأهالي على الشراء من مناطق أخرى .

ففي الوقت الذي وصل سعر غرام الذهب خارج مدينة دير الزور إلى 18 ألف ليرة، يباع الغرام فيها بمبلغ 18300، وينطبق الأمر على سعر صرف الدولار وعمولات تحويل المبالغ المالية.

ويشير أهالي المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم إلى أنه يساعد التجار الذين يتحكمون بالأسواق، من خلال إغلاقه المدينة ومنعه إخراج أي شيء منها، ما تسبب برخص المواد داخلها وخاصة أثاث المنازل، مقارنة مع الأسعار خارج حدود المدينة، وفق الأهالي.

ويباع البراد داخل المدينة بـ 20 ألف ليرة سورية، بينما يصل سعره في قرية حطلة التي لا تبعد سوى كيلومترات معدودة عن المدينة إلى 60 ألفًا.

وتعاني الأسواق خارج المدينة من مشكلات أخرى، أبرزها غياب الضوابط، ويشير حسن، وهو من سكان شارع الجيش في مدينة الميادين، أن “غياب الرقابة خلق مشاكل متزايدة، وجعل انفلات الأسواق من السكان فريسة سهلة للتجار الذين تحكمهم المصلحة”.

ويعتبر أبو عبدالله (اسم وهمي)، من سكان مدينة البوكمال، ومقرب من تنظيم “الدولة”، أن “ما يحدث هو حرية في حركة الأسواق والتجارة”، لافتًا في حديثه لعنب بلدي “يجب ألا نقف في طريقها مادامت ضمن شرع الله”.

وعن تداعيات ترك الأسواق حرة ومفتوحة، يتحدث عماد، وهو طالب في كلية الاقتصاد بدير الزور، وخريج كلية الشريعة في دمشق، “هناك أحكام خاصة تتعلق بالغبن في البيع وتؤدي إلى إبطاله، كما يوجد ضوابط شرعية تنظم العملية التجارية، ولا وجود للحرية الاقتصادية المطلقة في الإسلام”.

ويرى عماد في حديثه لعنب بلدي أن “فرض أولي الأمر للرقابة والقوانين،يساعد طرفي العملية التجارية ويضمن حق المشتري، دون إهدار ماله وحقوقه”.

سوق مناطق النظام يقوم على شبكات الفساد

“نحن محاصرون من داعش وحالش وأبو طافش”، مثل يتداوله أهالي المناطق المحاصرة، واصفين حالهم وسط انتشار سماسرة النظام وميليشياته.

ويشتهر السوق ببيع مواد الإغاثة التي تصل كمساعدات للأهالي، إذ تهرّب إلى السوق السوداء عبر أشخاص ضمن المنظمات وصفهم الأهالي بـ”الفاسدين”، أو عن طريق عناصر النظام.

ويصل ثمن كرتونة المساعدات إلى أكثر من 25 ألف ليرة، ما أوجد طبقة قليلة العدد من التجار الجدد، الذين يستندون إلى قوة أمنية وعسكرية تمكنهم من التحكم بالسوق وفرض الأسعار، كما أنهم أنشأوا معها مشاريع ربحية من خلال شبكة للسمسرة وقبض الرشاوى نيابة عن الجهات الأمنية.

“أبو طافش” الشخصية التي أوردها الأهالي في مثلهم، كان من ضمن التجار الذين أخرجوا أموالهم إلى تركيا، ويدير مشاريع فيها حاليًا، بينما بقي سكان الأحياء المحاصرة يعانون الجوع، وفق الحاج أبو صالح، الذي يعيش داخل مناطق سيطرة النظام.

واعتبر أبو صالح في حديثه لعنب بلدي أن “أكثر ما يؤلم هو الصمت عن الأوجاع وعما يعانيه قرابة 185 ألف مدني في حي الجورة”.

ويعيش الحاج السبعيني مع من بقي من عائلته على الخبز اليابس، وما ينبت من أعشاب في حديقة منزله الصغيرة، وختم حديثه “عام على الحصار أخذ من أرواح الجميع في هذه الأحياء، لكن الوجع الحقيقي ما يرتكبه التجار والسماسرة بحق المدنيين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والعمل وحتى السفر”.

وفيما لايزال وضع مدينة دير الزور العسكري مجهولًا، في ظل استمرار المعارك على جبهاتها، يخشى الأهالي من اندثار الأسواق بشطريها (مناطق سيطرة النظام وتنظيم الدولة)، بعد أن قل فيها النشاط التجاري، وتحول إلى مراكز جديدة مهمة وأكثر حيوية كأسواق مدينتي الميادين والبوكمال.

ويرى مراقبون أن حال الأسواق، يبقى مرهونًا بالتطورات العسكرية في المنطقة، والتي لم تتضح حتى اللحظة، فيما تفتح التغيرات المتسارعة عسكريًا وسياسيًا، المجال أمام الكثير من الاحتمالات، لتشكيل الخارطة الاقتصادية المقبلة في دير الزور، التي تعتبر بوابة تجارية مهمة مع العراق، وخزانًا للثروات الزراعية والنفطية.

تابعنا على تويتر


Top