قصة طبيب معتقل عند لواء الإسلام

جريدة عنب بلدي – العدد 57 – الأحد – 24-3-2013

لواء-الاسلام

«قمنا بثورة كاملة ولم نتخلص من الاعتقال التي أورثنا إياها حكم الأسد»

لم نكن لنتخيل أن يقع الثوار فيما وقع به أعداؤهم من اعتقال عرفي وتعسف بالأحكام واستبداد بالآراء وتحكم بالناس بقوة السلاح …

ربما هذا ما يدفعنا إلى نشر قصة الطبيب بعد تحرجنا مرارًا من نشرها ولكن بلغ السيل الزبى كما يقال، وبات من الضروري الكلام عن الأخطاء بالعلن وإخراجها للفضاء العام حتي يتم مناقشتها وتصويبها، وإلا فإن الثورة ستأكل أبناءها ولكن قبل انتصارها هذه المرة.

يقول محمود:

الثورة انتهت… لقد باتت صراع بين جيشين لا تهمهم القضية الأساسية التي خرجنا من أجلها.

محمود، وهو من قرية في شمال سوريا النائي، تخرّج من كلية الطب بتقدير ممتاز وشارك بالثورة منذ بدايتها ولم يتخلف عن مظاهرات دمشق المعروفة. ومع ازدياد القمع وتوجه الثورة نحو التسلح، خاصة بعد «مقتلة» حماه واجتياح دير الزور واللاذقية، وجد أنه من الأفضل التخفيف من المظاهرات لصالح العمل الطبي الميداني نظرًا لقلة الخبرات وقلة الكادر في هذا المجال، فذهب إلى داريا وهناك تعرف على غياث مطر ويحيى شربجي، ومن ثم تنقل في مناطق دمشق وريفها كلما دعت الحاجة لذلك …

أمضى محمود عدة أشهر بشكل متقطع في مدينة الرستين في ريف حمص الشمالي نظرًا لما كانت تعانيه تلك المنطقة من نقص في الكادر الطبي وأسبقية تلك المنطقة في تشكيل الجيش الحر. في أواخر عام 2012 ونتيجة للتعارض بين اختصاصه وعمله كطبيب ميداني، قرر أن يوقف عمله في الاختصاص والتفرغ لخدمة الثورة بشكل كامل (مع أنه معيل لعائلته من راتب الاختصاص) وانتقل بعدها إلى الغوطة الشرقية.

«كانت الثورة هي حياتنا، كنا مفعمين بالأمل ولم أكن لأفكر أن تركي للاختصاص يعتبر تضحية تذكر» أمضى في الغوطة الشرقية عدة أشهر متنقلًا بين حمورية ودوما وعربين ومن ثم استقر في مدينة دوما حيث كانت الحاجة شديدة أيام «التحرير» خاصة بعد اعتقال الطبيب عمر سريول وزملائه، فكان من الأطباء النادرين في دوما.

«لا أستطيع السكوت عن الخطأ، لذلك اشتركت بالثورة، ونتيجة لذلك فقد زادت المشاكل بيني وبين أفراد لواء الإسلام الذين هددوني بالاعتقال» فاضطر محمود لترك دوما وذهب إلى عربين ليعمل مع أصدقائه هناك في مشفى عربين الميداني. لكن صديقًا له في دوما دعاه لأمر ضروري فذهب إليه ليغدر به صديقه ويسلمه إلى لواء الإسلام الذين اعتقلوه في سجونهم لمدة شهر ونصف.

يقول محمود عن سجنه: لم يعد كافيًا أن تخاف من صواريخ قوات الأسد وإنما عليك أن تحذر من حواجز بعض الكتائب المحسوبة على الثورة والثوار.

أثناء اعتقاله ذهب أصدقاء محمود ليبحثوا عنه، أمضوا أيامًا كثيرة وهم يبحثون عنه دون جدوى، توقعوا في البداية أن تكون قذيفة قد اصابته وهو في طريقه إلى دوما واستشهد إثرها،  وقد انكر صديق محمود معرفته بمكان صديقه، كذلك أنكر عناصر اللواء وقادته أي معرفة لهم بمكانه.. «كانت أصعب اللحظات علينا حين تتصل أمه من مدينته لتطمئن عليه ونحن لا ندري ماذا نقول عنه» يقول صديق محمود الذي ذهب ليبحث عنه.

«مؤسف ما حدث فعلًا، قمنا بثورة كاملة ولم نتخلص من الاعتقال بطريقة الاختطاف التي أورثنا إياها حكم الأسد.» يضيف صديق آخر لمحمود.

وعن ظروف اعتقاله لدى لواء الإسلام يقول محمود: كانت ظروفًا سيئة للغاية، لا يوجد شتائم ولا إهانات ولا تعذيب الحمد لله ولكن مكان الاعتقال كان سيئًا، ضيق بداية وأعداد كبيرة من السجناء ثانيا ولم يكن مسموحًا (التشمس) إلا نادرًا ونوعية طعام سيئة بالتأكيد ولكنها ليست أسوأ من الطعام الذي يتناوله أهل دوما في هذه الأيام العصيبة.»

لم يتعرض محمود لمحاكمة خلال مدة سجنه ولكن ما فهمه من كلام السجانين أن سبب اعتقاله المباشر كان بسبب تكلمه عن اللواء «بسوء» مع جماعة من مدينه التل.

«قبل الإفراج عني بلحظات و (في لفتة ذات دلالة) أعطوني بيجاما جديدة كي ارتديها قبل الإفراج عني»

«داخل السجن تعيش انهيار أحلامك.. تعيش سجنك الحقيقي، كنا ثلاثة أطباء حين ذهبنا إلى مدينة داريا قبل عام ونصف، أحدنا معتقل عند النظام وأنا عند الثوار والأخير اعتقله اليأس وخرج من سوريا هذا ما كان يخطر ببالي دائمًا وأنا أعد الأيام في المعتقل.»

يعتقد محمود أن خطأه الأساسي أنه عمل للثورة خارج قريته ويقول أنه لو كان من أبناء دوما لما حدث معه ما حدث و «قد أكون تحت تأثير الصدمة الآن، ولكن كان يجب أن أبقى هناك، هناك ستجد من يقيم لعملك وزنا».

خرج محمود من السجن وذهب ليبحث عن أهله فلم يجد منهم إلا رسالة تركوها عند صديقه مفادها أنهم قد نزحوا إلى تركيا.

«الثورة انتهت …. وأنا أريد أن أجد أهلي في أحد المخيمات تركيا وأكمل اختصاصي في ألمانيا…» هذا ما أنهى به محمود كلامه.

تابعنا على تويتر


Top