وسائل بسيطة لحياة مستمرة

جريدة عنب بلدي – العدد 57 – الأحد – 24-3-2013

ramadaniat1.690739

حنين النقري

قد يغرّ مقالي في العدد السابق حول إعادة الحياة في المدن المحررة قارئه، فيظنّ ظانّ أن الحياة عادت كسابق عهدها، بذات الوسائل والأداوت، بذات القدر من الترف والكماليات..

ولعلّي في مقالي هذا سأحاول إطلاعكم سادتي على سبل العيش البسيط، والتي تيّسر على الأسر والأفراد الاستمرار بحياتهم رغم كل شُحّ…

•مثلًا، الغاز، والأزمة المعروفة، الاحتكار وصعوبة إيجاد الغاز في ظل حصار معمل الغاز في عدرا بريف دمشق، الوسيلة الجميلة التي رأيتها منتشرة بشكل جيّد هنا هي «البابور»، هذا الاختراع القديم والذهبي، يبدو أن ثورتنا أعادت العزّ له بنفض الغبار عنه، بعد بحث مضن في العلّية وبين الكراكيب، ليتصدّر مطابخنا، ويساعد أنامل أمهاتنا بطهو ما لذ وطاب، فيسمح للحياة بالاستمرار رغم كل شيء، ورأيت أن البعض قد عدّله ليصبح وقوده المازوت بدل الكاز بسبب فرق الأسعار -شعب مخترع-

• الإنارة، وغياب الكهرباء، وبدائل الطاقة الأخرى.. أعادت لوسيلة أخرى قديمة عزّها وصدارتها لمجالسنا، قناديل الكاز أيضًا، وهي وسيلة ربما لم يتح للبعض من جيلنا معايشتها، فأتاحت لهم الثورة ذلك مجددًا.. برائحة التاريخ المنبعثة منها، وبالضوء الأصفر ينير سهراتنا بخفوت، فيحلو السمر وقصّ الحكايا والأقاصيص، لكبار عاشوا ظروفًا مشابهة، في غابر الزمان.

• الطبخ، التدفئة، اللباس، تجد أن الناس قد ابتكرت في جميعها أمور تسهّل عليها تجاوز التحديات، والتأقلم مع تفشّي الفقر بشكل كبير، نعم هو زمن حرب، لا ندري متى تضع أوزراها، وانتظارها مع تزايد تفاقم الأوضاع لا يزيد الأمر إلا سوءًا…

• الاعتماد على وسائل قديمة توفيرية، إعادة تدوير الثياب، استخدام الحطب كوقود في المدافئ، تجفيف الأطعمة كبديل عن تجميدها بالثلاجات، تلك التي ما عاد لها نفع بسبب انقطاع الكهرباء، فباتت صنمًا في مطابخنا تذكرنا بعهد الأسد البائد :).

• «النمليّة» من منكم سمع بهذا الاختراع؟ هي خزانة خشبية مقسّمة بأرفف إلى طبقات، محاطة بشِباك ناعمة، يوضع فيها الطعام للحفاظ عليه بتعرضه للهواء فلا يتعفّن، وتحفظه الشبكة الناعمة من فضول الحشرات، اختراع قديم لكنّه عاد أيضا للحياة، في سلسلة يبدو أنها لن تنتهي من إعادة إحياء الوسائل التي لا تحتاج لطاقة، تلك الوسائل الذكية التي استخدمها أجدادنا طويلًا، وما خطر ﻷحدنا أنها ستكون له عونًا بيوم من الأيام..
• أحد الامور الجميلة التي شهدتها، والتي فاجأتني حقّا، هي التشجيع على الزواج، ففي حين كان التفكير بالارتباط عند أي شاب -قبل الثورة- أمرًا يجلب له الكثير من الهم، والتفكير والتعداد للتحديات والعقبات التي يجب تجاوزها قبل الوصول لذاك اليوم المشهود، المهر والبيت والأثاث والحلي الذهبية مهما كانت أسعار الذهب، والأعراف والتقاليد والمغالاة، فقد باتت ظروفنا اليوم مدعاة للتيسير للجميع، فبيوت البلد كلّها ﻷهل البلد جميعًا، لا استئجار ولا بيع، وإنما حبًّا وكرامة، وفق لجان تنظّم ذلك كلّه..

والذهب.. ذهب ولم يعد، وتقاليد الأعراس والحفلات والليالي الملاح منعها القصف والغارات، والحداد على أرواح الشهداء، فضلًا عن عدم توافر المادة وتفرّق المدعويين..ما بين نازح ومعتقل وشهيد وشريد!

شهدت العديد من الزيجات مع أن الأوضاع لا توحي بأمور مفرحة شبيهة، وإن كان في الأمر شيء يفرح حقًا، فهو التيسير الحاصل، وإزالة جانب المظاهر الذي استشرى كثيرًا بيننا في الفترة الأخيرة، فغدت المباهاة بالمظاهر والترف والمغالاة أمرًا رائجًا جدًا بين العائلات..
قد يصف البعض ظروفنا الحالية بأنها الاصعب، وقد يضيق البعض الآخر بها ويتمنى عودتنا لما كنا عليه سريعًا، لكنني أرى أن شيئًا لا يجب أن يعود لسابق عهده، كما كان..

أرى أن ما نعيشه اليوم من تقليل وتخفف قسري وإجباري، هو ترويض للنفوس واجب، وهي دورة مجّانية على فن التأقلم في الحياة، ولعلّنا نسلّط الضوء عليها بيننا في أحاديثنا بشكل واع، فننتقد ما كنا عليه من بذخ وترف، بشكل مباشر، ونسعى لنشر صورة إيجابية على ما نعيشه، على الطبيعة الإنتاجية المحمودة في المجتمع اليوم، وعلى جانب التعاون والتيسير الذي بدأنا نشهده بيننا، وننشر روح التخفف والتيسير في كل شيء، حتى يكون اختيارنا نحن، ألا نعود لسابق أمرنا بحذافيره، إن عادت الموارد لنا مجددًا!

تابعنا على تويتر


Top