العلم قال الله قال رسول الله

جريدة عنب بلدي – العدد 57 – الأحد – 24-3-2013

الجولة الثانية

عتيق – حمص

بنهاية غير متوقعة قتل الشيخ البوطي، وفي ظروف مريبة تحمل بصمات تفجيرات النظام السابقة، مما أثار  تباينًا شديدًا في المواقف من العملية، إلا أن ما يستحق التوقف عنده هو هذا الثناء والمديح لـ «علم» الشيخ البوطي، وإنجازاته العلميّة.

وهذا يذكرنا بدلالة كلمة «العلم» في الثقافة العربيّة والإسلاميّة السائدة، فمفهومنا عن «العلم» -أيًا كان- خطير للغاية، فهو -إن كان صائبًا- خلق مجتمعات راقية، حضارية، تنشر العلم والتنوير، وإن كان مشوهًا مبتورًا أفضى إلى مجتمعات الجهل والتخلف.

ْ«العلماء» في ثقافتنا هم «علماء الدين»، وهؤلاء هم الأشخاص الذين يملكون مخزونًا كبيرًا من تراثٍ تُشكّل مفردات مثل: الفقه، السنة، الحديث، السيرة، علم الكلام، الخ محوره الأبرز.

المشكلة ليست في وجود هذا النوع من العلماء، بل في أنه الصورة الوحيدة للعلماء في وجداننا الجمعي، إنهم أصحاب «العلم الشرعي»، العلم الذي مدحه الله ورسوله، العلم الحقيقي، الذي يقربنا إلى الله، وينجينا في الآخرة، وأقتبس هنا من كلام الإمام الغزالي عن العلم من كتابه «إحياء علوم الدين»، وهذه المقولة لا تعبّر عن فكر الغزالي فحسب، بل عن الفهم الديني التقليدي للعلم، هذا الفهم الذي تحوّل ليصبح مفهومًا شعبيًا، يستبطنه الجميع ويعيش وفقه وإن لم يسمع بحياته عن الغزالي مثلًا، وهو الفهم الذي أفرز واقع التخلف الذي نعرف، يقول الغزالي «فالعلوم العقلية المحضة لا يحث الشرع عليها، ولا يندب إليها كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم، فهي بين ظنون كاذبة لائقة، وإنّ بعض الظن إثم، وبين علوم صادقة لا منفعة لها [!!] ونعوذ بالله من علم لا ينفع، وليست المنفعة بالشهوات الحاضرة والنعم الفاخرة، فإنها فانية دائرة، بل النفع والثواب ثواب الآخرة».

وحقيقة رغم إنكار بعض المشايخ لهذا الموقف الصريح للغاية، إلا أن الواقع لا يشي بتغيّر جذري، فأقصى ما يمكن سماعه هو الحديث عن «الندب» و «الحث» من قبل الإسلام على «العلوم الدنيوية»، هذا الحث الذي لم يبني حضارة.

بينما يقدّم القرآن نظرة مغايرة تمامًا. لم يتجه الخطاب القرآني يومًا إلى التعاريف وتأطير الأطر النظريّة، وإنما قدّم مفاهيمه في قصص وأمثلة، ومن أشهرها قصة ذي القرنين، الذي آتاه الله من {كلّ شيء سببًا} والأسباب هنا (كما قال ابن كثير والطبري وغيرهم الكثير) هي «العلم».

فما هو هذا العلم؟ تتابع الآيات لترسم لنا صورة ذي القرنين وهو يتعامل مع الحديد والنحاس، وخواصهما، بأعلى درجات العلميّة والإحتراف.

وفي قصّة سليمان عندما أمر أن يجلب له عرش بلقيس {قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك}، هل هو فقه الطهارة والحيض؟ أم هو علم بأعظم صوره؟

وفي قصّة خلق آدم تساءلت الملائكة مستعجبة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك}، الملائكة احتجت بأنها تحمد الله وتقدسه وتعبده، ورأت أن هذا هو أشرف ما يكون، لكن الله أنبأها بما هو أعظم {وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة}، مجددًا هو العلم، علم المفاهيم هنا. وليس فقهًا تعبديًا محضًا.

أما الآيات التي تطلب من المسلم أن يسبر أغوار الطبيعة ويدرسها فأكثر من أن تعد {أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت؟}، والآيات التي تطلب منه دراسة سنن التاريخ والمجتمعات كذلك أيضًا {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}

هذه هي صورة العلم التي يقدمها القرآن، فأين صورة هذا التضخم المرضي في العلم الديني الذي نراه اليوم في الفضائيات ودروس المساجد، دين دين دين، على مدار الأسبوع، بل على مدار اليوم، 24 ساعة قال الله قال رسوله، لقد وضع الإسلام خطبة الجمعة، وهي موعد أسبوعي، ساعة من الزمن، يتزّود فيها المسلم ما ينير عقله وقلبه من العلوم الدينية، لينطلق باقي الأسبوع كله، في تحصيل «العلم» الذي مدح في القرآن، في الفيزياء والكيمياء والطيبعة والاجتماع والتاريخ والحاسوب والفلسفة وعلم المستقبليات والانثربولوجيا والجيولوجيا والهندسة.

مات البوطي، لكن بقي فكره، والمصيبة الحقيقة في الثاني لا في الأول.

تابعنا على تويتر


Top