سيكولوجيا الجماهير لـ غوستاف لوبون

86546754.jpg

يعتبر الكاتب غوستاف لوبون في بداية كتابه “سيكولوجيا الجماهير”، أن “المتغيرات الوحيدة المهمة التي ينتج عنها تجدد الحضارات هي تلك التي تصيب الآراء العامة والتصورات والعقائد”، ولذلك يرى أن الفترة الحالية (لحظة كتابة الكتاب) هي إحدى اللحظات الحرجة التي يكون فيها الفكر البشري في طور التحول والتبدل.

وهناك عاملان أساسيان يشكلان الأساس الجذري لهذا التحول، الأول تدمير العقائد الدينية والسياسية والاجتماعية التي اشتقت منها الحضارات السابقة، والثاني هو خلق الشروط الجديدة كليًا بالنسبة للوجود والفكر.

دخول الطبقات الشعبية في الحياة السياسية وتحولها التدريجي إلى طبقات قائدة يعتبر أحد الخصائص الأكثر بروزًا لعصر التحول، الذي يسميه الكاتب “عصر الجماهير” الذي أصبحت فيه صاحبة كلمة، ومن هنا تأتي أهمية الكتاب بحسب لوبون “فمعرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الأساسي لرجل الدولة الذي يريد ألا يحكم كليًا من قبلها، ولا أقول يحكمها، لأن ذلك قد أصبح اليوم صعبًا جدًا”.

يمتلك الجمهور بحسب لوبون خصائص مختلفة جدًا عن خصائص كل فرد يشكله، حيث تذوب الشخصية الواعية للأفراد وتهيمن الشخصية غير الواعية، وتتوجه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد، ويميل الأفراد لتحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة، وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، وإنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته قادرة على أن تقوده.

يجمل لوبون خصائص الجماهير بكونها نزقة وساذجة وسريعة الانفعال والتأثر وتصديق أي شيء، كما أن عواطفها ضخمة وبسيطة في آن معًا، وهي تميل بمجملها للتعصب والاستبدادية والنزعة المحافظة، فلا تقبل بأنصاف الحلول ولا تمتلك محاججة عقلية واعية ولذلك تستعصي عليها الأفكار إن لم تكن بسيطة جدًا وسهلة الاستيعاب.

يعدد الكاتب العوامل البعيدة المشكلة لعقائد الجماهير وآرائها، ويبين أن عامل “العرق” هو أهم العوامل، “بل يجب أن يوضع في المرتبة الأولى لأنه وحده أهم من كل العوامل الأخرى مجتمعة”، ويجد القارئ على طول الكتاب تأكيدًا لا ينتهي على هذه الفكرة والتي تجاوزها التاريخ وعلم الاجتماع وأثبت بطلانها على نطاق واسع.

يعتقد الكاتب أن جمهورًا من المثقفين لن يتخذ قرارات أكثر صحة من جمهور عديم التعليم على سبيل المثال، فالجمهور هو الجمهور، وهو ما يفسر سبب اتخاذ المجالس النيابية أحيانًا لقرارات ضد المنطق بل وضد مصالحها أيضًا كما حدث في فرنسا زمن الكاتب، ولكنه رغم ذلك يعود ويؤكد أن المجالس النيابية “تمثل أفضل طريقة وجدتها الشعوب حتى الآن من أجل حكم ذاتها، ثم بشكل أخص من أجل التخلص من نير الاستبداد والطغيان الشخصي”.

رغم قدم الكتاب، الذي نشر عام 1895، وتجاوز الزمن وعلم الاجتماع لكثير من أفكاره الأساسية، لاسيما نظرية تأثير “العرق” المهيمن على أفعال الجماهير، إلا أن النقاشات ماتزال حتى اللحظة تدور حول هذا الكتاب الجدلي لارتباط الكتاب بنشأة “علم النفس الاجتماعي”.

تابعنا على تويتر


Top