كنا عايشين

أحمد الشامي

قبل انطلاق الثورة، تمتعت نخبة من السوريين بمستوى معيشي مقبول وبرواتب مرتفعة، وتمكن هؤلاء من السياحة خارج بلدهم، ووصل اﻷمر ببعضهم لدرجة “استيراد” خادمات من دول يتمتع مواطنوها بحقوق وديموقراطية عز مثيلها في سوريا “اﻷسد”.

هذه النخبة تركزت في المدن الكبرى خاصة دمشق وحلب ومدن الساحل، ولا ننسى أن موسم الصيف كان موسم “الرزق” للكثيرين ممن اعتاشوا بالنصب على السوريين العائدين من الخارج.

بالفعل، من زار سوريا قبل الثورة وتجول فيها “كسائح” لا يفهم سبب ثورة السوريين! فالمظاهر كانت توحي بوجود حد أدنى من دولة القانون والمطاعم والمنتزهات كانت، ومازال الكثير منها حتى اليوم في دمشق، ممتلئة بالزائرين، ولا ننسى “طاولات” المطاعم الحافلة بما لذ وطاب.

في تلك اﻷيام، كان اللبنانيون واﻷردنيون يأتون لسوريا بحثًا عن بضائع رخيصة وجيدة، وكان اﻷوروبيون يتقاطرون لزيارة عاصمة اﻷمويين والتقاط الصور في حارات دمشق وحلب العتيقة.

ثم نشبت الثورة وفي غضون أيام استحالت مدن سوريا، باستثناء حواضر الساحل، إلى ثكنات عسكرية تعج بالحواجز والقناصة قبل أن تنزل الدبابات إلى الشوارع وتليها الهيليكوبترات والبراميل، ثم “الكيماوي” والمجازر المتنقلة، وقبل أن تتحول اﻷكثرية الساحقة من مدن سورية السنية إلى ركام.

ما الذي حصل كي تتحول “الجنة” السورية إلى الجحيم الذي يعيشه السوريون يوميًا؟ كيف تحولت سوريا من بلد “يستورد” الخادمات والعمال إلى بلد “يصدّر” اللاجئين حتى إلى “بنغلادش” التي تطردهم؟

مقولة “كنا عايشين…” تذكرني بنكتة فرنسية مؤداها أن رجلًا ألقى نفسه من قمة ناطحة سحاب، وأثناء سقوطه أرسل رسالة نصية ﻷصدقائه مضمونها هو التالي: “حاليًا، أمر قرب الطابق العاشر وكل شيء على ما يرام…حتى هذه اللحظة…”.

من نافل القول التذكير أن أصدقاء الرجل قد وصلتهم الرسالة حين كان صاحبنا قد ارتطم باﻷرض وودع دنيانا الفانية إلى غير رجعة! من وجهة نظر حرفية، فقد كان الرجل صادقًا، فقبل ارتطامه باﻷرض بثوان، “كان كل شيء على ما يرام”، وهكذا كان حال السوريين حتى صدمة آذار 2011، حين أعاد السوريون اكتشاف الطبيعة الدموية واﻹجرامية للنظام الاستعماري، الذي ظنوا أنه قد “تحضّر” بعض الشيء، وصدق فينا كسوريين المثل القائل أن “كلبًا قد خلّف جروًا فكان أكثر نجاسة من أبيه…”.

صحيح، “كنا عايشين” مثل الفرنسي الساقط من قمة ناطحة سحاب، ولحظة الحقيقة أتت حين كتب أطفال “درعا” عبارتهم المشهورة “جاك الدور يادكتور”.

قبل الثورة، كان كل السوريين الواعين بالطبيعة العميقة للنظام يدركون أن لحظة الحقيقة آتية لا محالة، وأن حمام الدم لن يوفر أحدًا. كل المؤشرات كانت تدل على أن الانفجار قادم لكن أحدًا لم يكن يعرف كيف ومتى وقلائل هم من توقعوا أن يصل النظام والعالم “المتحضر” إلى هذه الدرجة من السفالة.

العقلاء، حتى من قلب النظام، كانوا مدركين لحقيقة أن البلد تتجه لكارثة، بثورة أو دون ثورة. يكفي النظر إلى انهيار الناتج المحلي، وتردي مستوى التعليم والخدمات كافة، والفساد وسيادة مفاهيم النهب والسطو، والأفق المسدود لمئتي ألف سوري يبلغون سن الرشد كل عام وأغلبهم لا يملك لا التعليم المناسب ولا فرص العمل ولا حتى ما يسد رمقهم.

“النخب” الراقية في المدن الكبرى لم تبال يومًا بمصير هؤلاء، النخب كانت “تعيش” في حين كان الباقون يموتون ببطء من الفقر والجهل والمرض واليأس.

هؤلاء الذين كانوا خارج الحياة هم اليوم وقود الثورة السورية ونسغها وأملها الوحيد في مستقبل أفضل للسوريين.

قبل الثورة، كنا “نعيش” في انتظار الموت القادم حتمًا، بعدها، “نموت” أملًا في حياة أفضل.

تابعنا على تويتر


Top