أقلياتهم وأقلياتنا

طه الرحبي

تشكل الأقليات العرقية والإثنية في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلث السكان، وفقًا لبعض الإحصائيات، التي تشير إلى وجود قرابة 46 مليون نسمة من أصل إسباني، و41 مليونًا من السود، ونحو 16 مليونًا من الأقلية الآسيوية، بالإضافة إلى الهسبانيين والهنود الحمر الأصليين.

كما يعد 20% من سكان ألمانيا من المهاجرين الأتراك والإيطاليين والبولنديين.

وستشكل الأقليات من الذين ينتمون إلى أصول هندية وباكستانية وبنغالية وإفريقية ثلث سكان المملكة المتحدة بعد قرابة ثلاثين عامًا من الآن، ومازال هناك اختلاف بين الهوية الإنكليزية والبريطانية، كما أن هناك أقليات في غالبية دول العالم، ومنها إسبانيا وأستراليا وكندا وفرنسا… والقائمة تطول.

يعتبر هذا التنوع العرقي في تلك البلاد ثروة عظيمة تزيدها تقدمًا اقتصاديًا وثقافيًا وبشريًا، وهذه الأقليات تتغنى بانتمائها لوطنها وغير مستعدة لتكون أداة بيد الغير لتنفيذ مشاريع مضادة لوطنيتها، كما أن أيًّا منها لم تطالب بالانفصال أو بحكم ذاتي في يوم من الأيام.

وعلى النقيض تمامًا، فإن بعض  الأقليات أو التعددية الإثنية في بلادنا تعد من أخطر وأهم القضايا التي تنبئ بعدم الاستقرار، بل إنها تسببت بالفوضى في بعضها ومن المتوقع أن ينسحب ذلك على البقية.

بعض الأقليات في عالمنا العربي بل حتى الأحزاب السياسية مستعدة لأن تكون مشاريع للغير وأهدافًا سياسية، غير مكترثة بما ستؤول إليه الأمور من كوارث حقيقية، وقد قامت دولٌ بدعم البعض ماليًا وسياسيًا وإعلاميًا بحجة حق تقرير المصير، فعلى سبيل المثال شجعت الأكراد على الانفصال في العراق، وتغافلت عن أكراد إيران، وتجاهلت الأقليات الأخرى، وهذا ما يؤكد أن المراد من ذلك هو زعزعة استقرار الدول العربية، ولو كانت تلك الدول جادة بما تفعل  لدعمت كل الأقليات دون استنثاء.

في العالم العربي، هناك الأكراد والآشوريون والكلدانيون والتركمان والدروز والعلويين والسريان والأرمن والمسيحيون والأمازيغ، ولو تم إنشاء كيان قومي مستقل وفقًا لمطالب غلاة كل قومية أو إثنية بحجة حق تقرير المصير فستكون هناك عشرات الكيانات الضعيفة الممزقة غير القادرة على البناء لعدم توفر مقومات الدولة، ناهيك عن مشكلة التداخل السكاني بين أبناء المنطقة الواحدة، فمثلًا ماذا سيفعل الأكراد بالعرب الذين يعيشون معهم وبينهم؟

لابد من الإشارة هنا إلى أن من ساعد بعض غلاة الأقليات والإثنيات للدعوة إلى الانفصال هم بعض الحكام العرب، الذين مارسوا أبشع أنواع القمع والتهميش ليس عليهم فقط بل على شعوبهم بشكل عام، خاصة وأن تلك الأقليات كانت تشكل قبل الحقبة الدكتاتورية جزءًا أساسيًا من النسيج السياسي والثقافي والاجتماعي في غالبية المجتمعات العربية، فقد حكم سوريا عددٌ من الرؤساء الأكراد وهذا يدل على أن المشكلة الأساسية هي مع الدكتاتورية وليس مع أبناء البلد.

من حق الأقليات أن تتمتع بالحقوق الثقافية والاجتماعية والحفاظ على تراثها تحت سقف الوطن الواحد، بعيدًا عن السطحية والسذاجة وضيق الأفق وسوء التقدير. وليعلم الجميع أننا كشعوب نعتبر أغلبيةً صامتة مهمشة عرضة للاضطهاد على اختلاف مذاهبنا وطوائفنا وانتماءاتنا في العالم العربي، لذا فإن الحديث عن الأغلبية والأقلية ليس بمحله ولن يكون كذلك في يوم من الأيام، وعلينا مجتمعين أن نعيش تحت سقف الوطن كمواطنين صالحين.

تابعنا على تويتر


Top