أمريكا لن تقصف الأسد وجيشه

كرم يوسف – كاتب سوري

يدفع اليوم سكان سوريا بأكملهم، بمن فيهم المعارضون والموالون، بالإضافة إلى أماكن أخرى في العالم، ضريبة الطموح الدكتاتوري للرئيس السوري بشار الأسد بالاستمرار في السلطة وعدم التنازل عنها لإتاحة الفرصة لحياة سياسية جديدة، بعدما ورث الرئاسة عن أبيه الذي جاء عبر انقلاب عسكري.

وتقديريًا يمكن القول إن أكثر من عشرة ملايين مهاجر ولاجئ ونازح سوري، وأكثر من 700 ألف قتيل، وعشرات آلاف المعتقلين وعشرات المدن ومئات القرى المدمرة، بالإضافة إلى بروز ظاهرة “داعش”، كانت ضرائب باهظة إلى الآن من حلم هذا الشخص في قيادة مصير البلاد هو دون غيره.

ثمة ما ساعد الرئيس السوري على الاستمرار في هذا الطموح منذ اندلاع الثورة السورية قبل خمس سنوات إلى الآن، بطبيعة الحال هذه العوامل منها ما كان داخليًا، وهي الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس، والتي نجح هو في ربط مصيرها بمصيره، بالإضافة إلى المستفيدين من نظامه، وخارجيًا تعددت العوامل ربما أهمها عدم وجود الرغبة الحقيقية لدى أمريكا وحلفائها بإحداث التغيير في سوريا في هذه المرحلة التي ماتزال بالنسبة إليهم مبكرة ويجب أن تتطور.

ربما كان الاعتقاد سابقًا بأن ما يهم أمريكا في الحرب الداخلية السورية هو ألا تكون هناك من جديد دولةٌ تمتلك امتيازات عسكرية على حدود إسرائيل وإعادة ترتيب للشرق الأوسط، لذلك كان لا بد من أن يغرق هذا البلد (سوريا) في دمار و موت لا يستطيع أن يصحو منهما مبكرًا، مقابل إعادة البلد إلى ما كانت عليه قبل اتفاقية سايكس بيكو أو فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا، في وجود تقسيمات إدارية بناءً على الحالة القومية أو الطائفية، ولكن ما تم تدميره ربما لم يصل إلى ما هو مطلوب وهنا يمكن القول إنه لا بد أن تستمر هذه الحرب لحين آخر.

كل ما تم من توقعات بحل للأزمة السورية أمريكيًا اصطدمت باستمرار الحرب ودخولها في مراحل وأطوار جديدة، إلى الحد الذي بدأ يستعيد فيه نظام الأسد عافيته، ويعيد الانتشار على الجغرافيا السورية على حساب خسارة قوى عسكرية معارضة أو إسلامية أو تنظيم “داعش” وجبهة النصرة، بالإضافة إلى عدم وجود رغبة أمريكية في حسم الأمور من خلال أكثر من مؤشر، كعدم إمداد المعارضة السورية بأسلحة نوعية ومتطورة، وتوجيه تهديدات حقيقية لروسيا وإيران بعدم التدخل أو القيام بعمل عسكري مباشر ضد النظام جوًا أو برًا.

الذي حدث أن أسلحة وصلت للمعارضة السورية منها ما كان حرفيًا، تحت مسمى “غير قتالية وغير فتاكة”، كالمناظير الليلة والمعدات العسكرية العادية، ولاحقًا إمداد لفصائل معتدلة بأسلحة جيدة إلى حد ما، ثم العودة إلى الوراء مجددًا حتى عن هذه الخطوات البسيطة.

واكتفت أمريكا بتدريب 50 مقاتلًا انتهى أمرهم بأسرهم مع أسلحتهم من قبل جبهة النصرة، بعد انتهاء تدريباتهم في الأردن أو تركيا، ثم قلّصت حجم المساعدات العسكرية القليلة أصلًا مرة أخرى إلى المعارضة السورية، وكل هذا بطبيعة الحال ساعد في تقوية شوكة تنظيم “داعش” وجبهة النصرة والكثير من الفصائل المتشددة.

بطبيعة الحال فإن أمريكا كانت تستحدث في كل مرحلة آليات جديدة للتعامل مع الأزمة السورية، وفي نفس الوقت كانت هناك روسيا الحليف الدولي والقوي والوفي لنظام الأسد إلى الآن، والتي استطاعت بعد حلحلة الأزمة الأوكرانية أن تتفرغ بشكل نهائي للأزمة السورية، ويصل بها الأمر إلى إنشاء قواعد عسكرية وإرسال جنود إليها لينطلقوا في قصف مواقع المعارضة والجماعات الإسلامية وتنظيم “داعش” وجبهة النصرة.

ومعها كان لابد من تغيير أمريكا لاستراتيجياتها في التعامل مع الأزمة، خاصة وأن الوضع من الممكن أن يخرج عن سيطرته، وهذا ما تقدمه الوقائع الحالية من تطورات عسكرية أحرزها جيش الأسد على جبهات كثيرة، لا سيما في ريف حلب واللاذقية وحلب وحمص.

من بين الخيارات التي استطاعت أمريكا الابتعاد عنها بتخطيط وتنسيق عميقين هو قصف مواقع ومقرات جيش الأسد، إذ تمكنت بالتنسيق مع حلفاء لها من تمرير قرار بقصف تنظيم “داعش” دون سواه داخل سوريا كما العراق منذ سنتين تقريبًا، وبعد إيجاد روسيا لآلية خاصة بها في دخول الأجواء السورية بأنها على طلب من سلطة شرعية تدير البلاد في مساعدتها في “دحر الإرهاب”، كان هنا صراع في الأجواء السورية، صراعٌ لم ترتكب فيه إلى الآن أخطاء في التصادم المباشر باستثناء حالات من تبادل اتهامات في قصف لمكان أو آخر، مثلما حدث في قصف لتجمع لقوات النظام في دير الزور.

في ظل ما يجري من تطورات عسكرية على الأرض واحتمال ميلان كفة الصراع من جديد لصالح الرئيس السوري وجيشه في الحرب، ثمة احتمال من الممكن أن يطرح وهو: هل من الممكن أن تقدم أمريكا وحلفاؤها الدوليون، وخاصة الأوروبيين الذين لاحول لهم ولاقوة باستثناء السير وراء أمريكا، وهم يدفعون ضرائب عالية التكلفة في قضايا اللاجئين (كلفت حتى وحدة الاتحاد الأوروبي)، على قصف جيش الأسد وقصره، وبهذا سوف يكون هناك عد تنازلي أكثر لبقاء الأسد في السلطة.

لا مكان لأي شرعية للرئيس السوري تتحدث بها أمريكا وتتخفى وراءها وتتهرب بها من القيام بهذه العملية العسكرية المباشرة ضد نظام الأسد، فما قامت به من تدخل إلى الآن سواء الدعم الجوي أو العسكري للمعارضة وسحب الشرعية عن الأسد، من قبل دول تناهز السبعين دولة، وهم منضوون تحت مسمى “أصدقاء سوريا”، كافٍ لأن تقوم أمريكا بهذه العملية دون إعادة أي اعتبار لشرعية أي قرار أممي، كما أنها قيامها سابقًا، وبعيدًا عن مجلس الأمن والأمم المتحدة، بالتدخل في العراق وأفغانستان، يجعل فرضية شنها عملًا عسكريًا مباشرًا ضد نظام الأسد، ولو جوًا، أمرًا سبق وأن قامت به.

كان موضوع قصف أمريكا جيش الأسد، حتى قبل انخفاض صوت السلاح في أوكرانيا ممكنًا، ولكن بعد انتصار روسيا في تلك المعركة وتفرغها للأزمة السورية ووجودها في قواعد ومطارات عسكرية سورية، وإنشاء منظومة صواريخ “s400” التي تسمح لها بالتحكم بالأجواء السورية، ما عاد ممكنًا أبدًا، لذا ستضطر أمريكا إلى التعامل مع خيارات جديدة، خيارات ما تريده من وفي سوريا مع وجود إيران وروسيا اللتين زجتا بنفسيهما في هذا الصراع بالإضافة إلى حزب الله اللبناني.

تابعنا على تويتر


Top