الأسد وبوتين يحددان أهدافهما في حلب: اقطعوا دابر الحياة فيها

حينما يخيّم الموت على ضفتيها.. “الشهباء” تستذكر المغول والتتار

ANP-45368836.jpg

الدمار في حي الكلاسة بمدينة حلب، الخميس 28 نيسان (AFP)

عنب بلديخاص

لم تشهد محافظة حلب نكبة أكبر مما هي فيه اليوم، منذ الغزو المغولي الثاني لها قبل ستة قرون مضت، على يد القائد الأوزبكي، تيمورلنك، حين أحرقها وقتل رجالها وسبى نساءها، وفقًا للمراجع التاريخية. اليوم، ورغم المواثيق الدولية وعصر السرعة في انتقال المعلومات وتداولها، تدمّر حلب مرة أخرى، ويقتل من تبقى من أبنائها على يد رجل آخر، لا يقل إجرامًا عن أسلافه، بحسب معارضيه.

يصف محللون سياسيون المشهد الدموي الحالي في حلب بـحرب عالميةتدور رحاها في هذه البقعة الصغيرة من العالم، ويكاد لا يخلو شبرٌ فيها من مواجهات عسكرية بين أربعة أطراف رئيسية، تقف وراءها قوىً عظمى بأجندات سياسية وعسكرية متباينة، أو قصف واستهداف يومي للمناطق المأهولة بالسكان، جعل المجازر عنوانًا أبرز لها.

ولأنها كبرى المدن السورية، وعاصمة الاقتصاد فيها، شكّلت المحافظة الشمالية أهمية بالغة لكلا طرفي الصراع الرئيسيين في سوريا، فيسعى نظام الأسد وحلفاؤه المعلنون إلى الاستحواذ عليها، في وقت تحاول فيه المعارضة السورية بمختلف أشكالها، الحفاظ على مكتسبات ثلاث سنوات مضت.

الخارطة العسكرية في حلب

لم يطرأ أي تبدل على خارطة السيطرة في المحافظة منذ مطلع نيسان الجاري، فحافظت القوى على مواقع سيطرتها رغم احتدام المواجهات في محاور عدة من الريف والمدينة على حد سواء، إذ تتجزأ حلب إلى أربعة أقسام وفقًا للقوى المسيطرة عليها.

خريطة تظهر توزع القوى في حلب حتى نهاية نيسان 2016 (عنب بلدي)

خريطة تظهر توزع القوى في حلب حتى نهاية نيسان 2016 (عنب بلدي)

  • تنظيمالدولة

يسيطر التنظيم على مساحة جغرافية كبيرة في المحافظة، ويتركز في الشمال بالقرب من مدينة مارع، وحتى الشرق والجنوب الشرقي، بحيث يحكم قبضته على معظم الحدود الإدارية مع محافظة الرقة، عاصمته الرئيسية في سوريا.

ونجح التنظيم إلى حد ما بالحفاظ على نقاط تمركزه بالقرب من الحدود السورية- التركية، رغم محاولات الجيش الحر التغلغل هناك، سعيًا للوصول إلى مدينة جرابلس، بدعم تركي وأمريكي، وأبرز المدن التي يتحكم بها التنظيم في حلب هي: الباب، منبج، جرابلس، إلى جانب بلدات: مسكنة، الراعي، دير حافر، ودابق.

  • نظام الأسد وحلفاؤه

تسيطر قوات الأسد على 50% من مساحة مدينة حلب، بشكل تقريبي، واحتفظت بمعظم الأحياء الغربية فيها منذ دخول الجيش الحر، مطلع عام 2013، وأهم هذه الأحياء هي: حلب الجديدة، الحمدانية، الميدان، المحافظة، الأعظمية، السليمانية، الخالدية، وغيرها.

وتتركز سيطرة قوات الأسد وحلفائه من ميليشيات أجنبية وقوات إيرانية على الأرض، في الجنوب الشرقي للمحافظة، ابتداءً من منطقة خناصر وحتى مدينة السفيرة، وصولًا إلى أحياء حلب، حيث يعتبر هذا الطريق هو الشريان البري الوحيد للنظام من المنطقة الوسطى (حمص- حماة) باتجاه الشمال.

استطاعت قوات الأسد توسعة نفوذها في المنطقة ذاتها باتجاه الشرق، على حساب تنظيم “الدولة”، منذ نهاية العام الماضي، وسيطرت على منطقة كويرس ومطارها العسكري، إلى جانب المحطة الحرارية، وصولًا إلى مناطق المعارضة جنوب المحافظة، بمحاذاة الأوتوستراد الدولي حلب- دمشق.

  • قواتسوريا الديمقراطية

ثلاث مناطق متفرقة من المحافظة، تخضع لسيطرة هذا التشكيل متعدد القوميات، والذي أعلن عنه نهاية العام الماضي، ويضم بشكل رئيسي فصائل كردية، أبرزها وحدات حماية الشعب (YPG)، وفصائل عربية مثل “جيش الثوار”، وأخرى سريانية وتركمانية.

المنطقة الأولى تقع في أقصى شرق المحافظة، وتعتبر مدينة عين العرب (كوباني) المركز الرئيسي فيها، واستطاعت هذه القوات توسعة نفوذها هناك لتصل إلى محاذاة مدينة جرابلس من الشرق، وسيطرت على ضفاف الفرات بمحاذاة مدينة منبج جنوبًا.

المنطقة الثانية تقع في ريف حلب الشمالي، وتتخذ مدينة عفرين مركزًا رئيسيًا لها، واستطاعت خلال الأشهر الماضية توسعة نفوذها هناك على حساب فصائل المعارضة السورية، فاستحوذت في شباط على مدن وبلدات أبرزها تل رفعت ودير الجمال ومنغ وعين دقنة.

أما المنطقة الثالثة وهي الأصغر، فتسيطر “سوريا الديمقراطية” على حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، ويقع شمالها، بحيث يطل على طريق “الكاستيلو” الواصل بين مناطق المعارضة في المدينة والريف الشمالي، ويجاور من الغرب مناطق نفوذ النظام السوري.

  • فصائل المعارضة

ماتزال فصائل المعارضة تسيطر على مساحات لا بأس بها من محافظة حلب، وتتمركز في خمس مناطق مختلفة منها، وتختلف هذه الفصائل في توجهاتها، فهناك المحسوبة على التيار الإسلامي كحركة أحرار الشام وجبهة النصرة وجيش السنة وأجناد الشام، إلى جانب فصائل الجيش الحر كفيلق الشام ولواء السلطان مراد وحركة نور الدين زنكي والجبهة الشامية وتجمع “فاستقم كما أمرت”.

المنطقة الأولى تقع في مركز المدينة، حيث تسيطر المعارضة على نحو 50% منها بشكل تقريبي، ولا سيما في القسم الشرقي من المدينة، وأبرز أحيائها: المشهد، السكري، بستان القصر، الكلاسة، الفردوس، مساكن هنانو، طريق الباب، الشعار، الصاخور، الحيدرية، والجزماتي.

أما المنطقة الثانية، فهي الريف الشمالي القريب من الحدود التركية، والذي بات منذ مطلع شباط الماضي معزولًا بشكل كامل عن مدينة حلب، ويتحكم بهذا الجزء فصائل تابعة للجيش الحر، وأبرز مناطق السيطرة هناك هي معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، إلى جانب مدينة اعزاز المجاورة، ومدينة مارع إلى الجنوب منها.

المنطقة الثالثة هي الريف الشمالي القريب من المدينة، واستطاعت المعارضة الاحتفاظ ببعض المدن والبلدات رغم محاولات قوات الأسد إحكام السيطرة عليه، وأبرزها حندرات، تل مصيبين، حريتان، عندان، حيان، كفر حمرة.

المنطقة الرابعة هي الريف الغربي لحلب، ويخضع بمعظمه لسيطرة فصائل المعارضة المختلفة، وتتسم هذه المنطقة بمجاورتها الحدود الإدارية الشرقية لمحافظة إدلب، وأبرز مدنها وبلداتها هي: دارة عزة، قبتان الجبل، عنجارة، أورم الكبرى.

وأخيرًا، فإن المنطقة الرابعة لسيطرة المعارضة في حلب، هي ريفها الجنوبي، وتتركز السيطرة في المناطق المحاذية للأوتوستراد الدولي حلب- دمشق، حيث تعتبر هذه المنطقة خط مواجهات مفتوحًا مع قوات الأسد، وتمتد السيطرة إلى المحور الغربي لبلدة خناصر جنوب شرق المحافظة من جهة، وأقصى الجنوب بالقرب من مطار “أبو الظهور” العسكري في ريف إدلب.

 

الموت يعود إلى حلب بعد هدوء نسبي

أعلن عن اتفاقالتهدئةفي سوريا نهاية شباط الماضي، لتدخل محافظة حلب في هدوء نسبي غير مسبوق، يستثنى منه مناطق سيطرة تنظيمالدولةفي الشرق والشمال، فأعاد الاتفاق الحياة إلى المدينة، وخرجت المظاهراتالكرنفاليةمن جديد، واكتظت شوارعها وأسواقها بالمدنيين والعائدين من مخيمات النزوح، لكن ذلك لم يدم طويلًا، وعاد الدم بغزارة إلى شوارعها بعد نحو شهر.

مطلع نيسان، شنت فصائل المعارضة هجومًا معاكسًا على مواقع الأسد وحلفائه جنوب حلب، في رد واضح على محاولة التقدم من بلدة خان طومان نحو الطريق الدولي، واستطاعت المعارضة استعادة بلدة تل العيس، لتندلع المعارك من جديد في الريف الجنوبي، بالتزامن مع تصدير طهران دفعة جديدة من مقاتليها إلى المنطقة، فكان الإنذار الأول من تصعيد متعدد الجوانب في المحافظة.

صباح الجمعة 22 نيسان، دخلت مدينة حلب وريفها منعطفًا جديدًا، بتصعيد غير مسبوق لطيران النظام والروس على حد سواء، وبدأت الغارات الجوية منذ ذلك اليوم وحتى إعداد التقرير بإحراق ما أمكن إحراقه، وتدمير الأبنية والمرافق العامة في مناطق عدة، متسببة بمجازر تكاد مراكز التوثيق تعجز عن توثيقها، إلى جانب عمليات عسكرية تسببت بمقتل العشرات من مقاتلي المعارضة.

عائلة في مدينة حلب 28 نيسان 2016 (AFP)

عائلة في مدينة حلب 28 نيسان 2016 (AFP)

ولم يتوان الطيران الحربي منذ ثمانية أيام عن استهداف معظم أحياء مدينة حلب، ونفذ مجازر عدة، كان أكبرها وأشدها وطأة تدمير مشفى القدس للتوليد والأطفال في حي السكري، الأربعاء 27 نيسان، ما تسبب بمقتل نحو 50 شخصًا، منهم كوادر طبية بارزة، كطبيب الأطفال الوحيد في المدينة، محمد وسيم معاز، إلى جانب طبيب الأسنان، أحمد المحمد.

سبق ذلك بيوم واحد، استهداف مركز للدفاع المدني بغارات من الطيران الحربي في مدينة الأتارب غرب حلب، ما أدى إلى تدميره بالكامل ومقتل خمسة متطوعين فيه، لتتوالى سلسلة استهداف الأحياء السكنية، ومقتل عشرات المدنيين يوميًا، بالتزامن مع استهداف الأحياء الخاضعة للنظام بالقذائف الصاروخية، متسببة أيضًا بمجازر كان أكبرها في حيي السليمانية والميدان.

عسكريًا، كان الاستنزاف الأكبر لفصائل المعارضة في حلب منذ مطلع العام، فخسر “جيش المجاهدين” وهو فصيل ينتمي للجيش الحر، 21 مقاتلًا في صفوفه، خلال محاولة اقتحام فاشلة لمناطق خاضعة لسيطرة النظام السوري في مدينة حلب، عبر تسللهم من أقنية الصرف الصحي، الأمر الذي اكتشفته قوات الأسد وأجهزت على معظم مقاتلي المجموعة المقتحمة، 24 نيسان، وفقًا لمعلومات متطابقة حصلت عليها عنب بلدي، وأكدها بيان صادر عن قيادة الفصيل بعد يومين.

في السياق، تلقّت فصائل المعارضة شمال حلب، ضربة قاسية بعد مقتل نحو 60 مقاتلًا خلال مواجهات مع قوات “سوريا الديمقراطية” على أطراف بلدة عين دقنة ومدينة تل رفعت، حيث تخضعان لسيطرة الأخيرة، وحاولت المعارضة استعادتها مساء الأربعاء 27 نيسان، في عملية وصفت بـ “الفاشلة”.

معظم المقاتلين الذين سقطوا خلال المواجهات ينتمون إلى فصيل “جيش السنة” ذي الغالبية الحمصية، إلى جانب قتلى من فيلق الشام والجبهة الشامية ولواء السلطان مراد، في حين اعترفت وحدات حماية الشعب (إحدى فصائل سوريا الديمقراطية) بمقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلًا في صفوفها خلال المعركة التي استمرت حتى صبيحة اليوم التالي، ليطوّف بجثث مقاتلي المعارضة في شوارع مدينة عفرين، في مشهد أثار استياءً كبيرًا من الناشطين العرب والأكراد على حد سواء.

الدماء تغرق ضفتيها واتهامات متبادلة

كلما شهدت أحياء حلب الخاضعة للمعارضة هجومًا عنيفًا من قبل الأسد وحلفائه، لا تلبث أن تنهال في المقابل عشرات القذائف على أحياء سيطرة النظام، متسببة بوقوع مجازر بين المدنيين، وهذا ما حصل فعليًا في الأيام القليلة الماضية، لتعود وتطفو على السطح تساؤلات عدة: من يقف وراء هذا القصف؟ وهل يجوز الرد على النظام بلغته ذاتها واستهداف المدنيين؟

وعمل الإعلام الرسمي والمقرب من النظام السوري على تسويق اتهامات مباشرة لفصائل المعارضة باستهداف الأحياء السكنية وقتل المدنيين فيها، وأعدت تقارير ميدانية ترصد الدمار الذي خلفته القذائف العشوائية، كذلك فإن وسائل إعلام روسية استخدمت تسجيلات مصورة من مجازر نفذتها قوات الأسد في أحياء المعارضة، لتقول إنها انتهاكات نفذّتها جبهة النصرة، مبررة بذلك الغارات والتصعيد العسكري في المدينة.

من جهتها، تقصت عنب بلدي عن الفصائل التي ترابط على تخوم الأحياء التي يسيطر عليها النظام، وطرحت هذه التساؤلات على قادة بعضها، وأكد في هذا الصدد، صقر أبو قتيبة، قائد تجمع “فاستقم كما أمرت” المنضوي في الجيش الحر، والذي يرابط فصيله على أطراف أحياء الحمدانية وصلاح الدين وسيف الدولة والإذاعة، أن القصف لم يستهدف سوى القطع العسكرية بعيدًا عن الأحياء السكنية، مشددًا على أن غرفة عمليات فتح حلب، تتحرى الدقة في ذلك.

وقال أبو قتيبة إن “أهدافنا هي المدفعية وتلة الشيخ يوسف والأكاديمية والنقاط العسكرية الموجودة على خطوط التماس (نقاط الرباط)، إلى جانب مطار النيرب العسكري وسجن حلب المركزي ومنطقة حندرات”، وتابع “قصفنا لهذه المناطق العسكرية هو حتمًا مجدٍ، ولدينا إحصائيات وأرقام قتلى من ضباط وخبراء وشبيحة لهذا النظام، الذين قتلوا بقذائف الثوار في مناطق متعددة”.

نفي الاتهامات الموجهة لفصائل المعارضة بدا واضحًا في حديث قائد تجمع “فاستقم”، من خلال إطلاعنا على تعدد الجهات المقاتلة إلى جانب النظام السوري، ما يزيد الأمور تعقيدًا، وقال “لا أعلم إن كان النظام يقصف تلك المناطق، ولكن ما أعلمه أن النظام ليس الوحيد الذي يمتلك مدافع وراجمات، إنما الإيرانيون أيضًا لديهم راجمات وسلاح خاص، والأفغانيون كذلك، وحزب الله والشبيحة أيضًا يمتلكون السلاح والعتاد والحرية بالقصف، وقوات الحرس الجمهوري الآتية من دمشق، ومعظم الميليشيات التي استخدمها النظام لها برنامج خاص وأدوات خاصة، فلايمكن إحصاء عملياتها ولا رصد أهدافها”.

وكشف زكريا ملاحفجي، رئيس المكتب السياسي للتجمع، عن تقصٍ سابقٍ أجروه ووثقوا من خلاله امتلاك قوات الأسد ذات الأسلحة الثقيلة التي تستخدمها فصائل “الحر”، وأرسلوا معلوماتهم إلى الأمم المتحدة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أنه “وسط الهجمة العنيفة التي يشنها النظام حاليًا، وردود الفعل الغاضبة لدى الفصائل، ومايرون عليه حال أهلهم في المناطق المحررة، لايمكن ضبط بعض الأعمال الانتقامية الفردية كانت أم الفصائلية”، معتبرًا أنها “خاطئة ولا يمكن ضبطها”، على حد تعبيره.

راجمة صواريخ جهنم في حي حلب الجديدة الخاضع لسيطرة النظام السوري - 30 نيسان 2016

راجمة صواريخ جهنم في حي حلب الجديدة الخاضع لسيطرة النظام السوري – 30 نيسان 2016

ونشر ورد فراتي، مدير المكتب الإعلامي في تجمع “فاستقم كما أمرت”، صورة التقطت السبت 30 نيسان لراجمة تطلق جرر غاز تشبه سلاح “جهنم” الذي يستخدمه الجيش الحر، متمركزة في حي حلب الجديدة الخاضع لسيطرة النظام، في الوقت الذي أكد فيه أنه لم تسجل ولا حالة لسقوط جرر جهنم في المناطق المحررة.

وتوجهت عنب بلدي بالأسئلة ذاتها إلى فصيل “مدفعية حلب”، الذي يتنقل بين مناطق الاشتباك مع النظام، عند الجبهات وأماكن الرمي، وقال أبو عبدو، المسؤول الإعلامي فيه “نحن نتواجد في بستان القصر والكلاسة، وفي حي الصاخور، أو أي مكان فيه اشتباك مباشر مع النظام، وأهدافنا دائمًا محددة ودقيقة” وأضاف “لا ندعي أن لدينا دقة 100% ولكن لا نستهدف سوى القطع العسكرية وأماكن الثقل العسكري للنظام”.

وكشف المسؤول الإعلامي في “مدفعية حلب” عن إمكانياتهم العسكرية في المدينة “أسلحتنا محلية، وهي لا تصل لأبعد 1.5 كيلومتر (1500 متر)، ونمتلك مدفع قذائف 120 مم (هاون)، والتي تصل كأبعد حد إلى اثنين كيلومتر، وهذا يعني أنه يصعب علينا الوصول إلى مناطق المدنيين، إضافة إلى أننا ننظر لهؤلاء المدنيين على أنهم أهلنا، وهم رهائن لدى النظام، ولدينا الثقة بأننا لو تمكنا من حماية مناطقنا من طيران وبراميل النظام، لانتقل المدنيون للإقامة في مناطقنا”.

وقال أبو عبدو ” لدينا معلومات أكيدة بأن النظام يمتلك أسلحة مماثلة لأسلحتنا من قذائف 120 وجرات غاز، وهي لاتصل لأهداف بعيدة المدى، وعندما يقصفها النظام من منطقة الراموسة والملعب البلدي، فهي حتما ستسقط في مناطق سيطرته”، وأضاف “الطيران الحربي منذ بدء الهجمة الشرسة، قصف مناطق سيطرة النظام في حي الميدان، وهذا موثق ومعلوم لدى الجميع”، الأمر الذي أكده ناشطون في حي الميدان، حين اتهموا الطيران الحربي بقصف مبنى في الحي، 28 نيسان، تسبب بتدميره ومقتل وجرح عدد من الأهالي.

يبقى موضوع استهداف المدنيين في مناطق سيطرة النظام، هو الحديث الأبرز لناشطي  حلب، فيذهب معظمهم إلى أن القصف العشوائي “جريمة يجب عدم السكوت عليها”، مستنكرين الحوادث المتكررة، وسط تباين الآراء حول الجهة المنفذة، المعارضة أم النظام.

ورأى سالم الأطرش (أبو مضر)، ناشط المدني في حلب، أن “القصف العشوائي لمناطق النظام غير محدد الهدف، يتعارض مع مبادئ وأخلاق الثورة، والقيم التي نادت بها، لرفع الظلم وعدم الانتقام من الأبرياء العزل”، وأضاف “وكما أننا لا نرضى الظلم لأنفسنا لا نرضاه لغيرنا، والقصف إن لم يكن مصحوبًا بعمل عسكري فهو استهتار بحياة الآخرين، ولا معنى له”.

وأوضح أبو مضر الجوانب السلبية  للقصف العشوائي على الحاضنة الاجتماعية للثورة، وقال “لن نجذب الناس لثورتنا إلا بأخلاقنا التي تميزنا بها عن النظام، وإلا كنا نسخة عنه”، معتبرًا كل مدني في الطرف الآخر “هو أمي وأبي وأخي طالما لم يقم بعمل ضد الثورة”، على حد تعبيره، مضيفًا “لو حمل أفكارًا مخالفة لمبادئ الثورة، أو مال لتأييد النظام طلبًا منه للشعور بالأمان، فهو حر برأيه طالما لم يتعد الموضوع الرأي الشخصي”.

أخيرًا، فإن فصيلًا يتبع للجيش الحر تحت مسمى “الفرقة 16” بقيادة عبد الخالق حياني، يتمركز في حي بني زيد، على المحور الشمالي الغربي للمدينة، يعتبر المتهم الأول في إعلام النظام، فتكررت عبارة “مسلحو بني زيد” في الآونة الأخيرة عبر الفضائيات والمواقع الإلكترونية المحلية. وعلمت عنب بلدي من مصادرها، بامتلاك هذا الفصيل (تعذّر التواصل مع قادته) أسلحة ثقيلة يدوية الصنع، استخدمت مؤخرًا في استهداف أحياء الشيخ مقصود (ذي الغالبية الكردية) وحي الخالدية وشارع النيل، والتي تبعد عن “بني زيد” مسافة أقل من 2 كيلو متر، وتسببت بمقتل وجرح مدنيين وعسكريين فيها.

وخلاصة هذا المحور وفقًا لما سبق، فإن استهداف أحياء حلب الخاضعة لسيطرة النظام، تتورط فيه قوات الأسد والميليشيات المختلفة بشكل رئيسي، إلى جانب انتهاكات تنفذها بعض فصائل المعارضة، كردود فعل “غير منطقية” على المجازر التي ينفذها النظام في الشطر الثاني من المدينة.

تفاعل إعلامي غير مسبوق.. ” #حلب_تحترقالأوّل عالميًا

لم تمض ساعات على بدء النظام السوري حملته العنيفة على مدينة حلب، حتى تصدّر وسم “حلب تحترق”، قائمة الوسوم العالمية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ وصل في الساعات الـ 24 الأولى من إطلاقه إلى 200 ألف تغريدة على موقع “تويتر”.

ورصدت عنب بلدي تجاوز الوسم في اليوم الثاني من إطلاقه حاجز 600 ألف تغريدة، متصدرًا المرتبة الأولى عالميًا لمدة يومين، بينما انتشرت وسوم أخرى حققت رواجًا مثل “حلب تناديكم”، “أنقذوا حلب”، و”حلب تباد”، إضافة إلى أخرى باللغة الإنكليزية أبرزها Aleppoisburning.

الإعلام يدعم حلب

تفاعلت مع الوسم عشرات وسائل الإعلام العربية والعالمية أبرزها قناة الجزيرة القطرية، التي قدمت نشرتها الإخبارية أمام خلفية حمراء، في إشارة إلى المجازر في مدينة حلب، ومازالت تستخدم الوسم مع أخبارها اليومية عن سوريا، بينما شاركته وسائل أخرى محلية.

بدوره شارك موقع “هافنغتون بوست بالعربي” في الحملة، ووضع صورة باللون الأحمر عليها وسم “حلب تحترق”، غلافًا لصفحته الرسمية في “فيس بوك”، وكتب “عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو وأحرسهم من هواة الرّثاء، أقول لهم :تصبحون على وطن، من سحابٍ ومن شجرٍ، من سرابٍ وماء.. أهنئهم بالسلامة من حادث المستحيل ومن قيمة المذبح الفائضة!”، ورد المسؤولون عن الموقع على تعليقات الشكر من السوريين للتضامن مع حلب “لو أن الكلمات والصور تعيد من قُتلوا إلى حياة أحبابهم لملأنا الأرض والسماء كلامًا”.

واعتمد ناشطون سوريون بدورهم صورًا حمراء لحساباتهم الشخصية في “فيس بوك”، للتعبير عن مشاعر الغضب والحزن، لما آلت إليه أوضاع حلب، كما شاركت العديد من الأسماء البارزة والدعاة الإسلاميين في الحملة، وأوضح الحقوقي الجزائري أنور مالك، عبر حسابه في “تويتر”، أن “عدم تدخل المجتمع الدولي سريعًا لإنقاذ المواطنين العزل في حلب من وحشية الثنائي السفاح الأسد وبوتين هي مشاركة مع سبق الإصرار في محرقة القرن”، مرفقًا عبارته بوسم “حلب تحترق”.

كما استخدم دعاة إسلاميون الوسم ذاته، وأبرزهم الشيخ راتب النابلسي، والداعية محمد العريفي، ويوسف القرضاوي، والدكتور سلمان العودة، وكتب العريفي في حسابه على تويتر”حلب تُباد .. يا رب لطفك”، أيضًا شاركت شخصيات أخرى، من ضمنها رئيس المنظمة الدولية لحقوق الإنسان، المستشار خالد شبيب، ورأى أن “الرد الأبلغ هو أن تعلن فصائل الثورة مجلسًا سياسيًا وعسكريًا موحدًا، وغرفة عمليات واحدة لقيادة معارك تحرير سوريا”.

شخصيات عالمية استخدمت الوسم، من بينها الممثل البريطاني توم هاردي، ودلل على القصف الذي يستهدف حلب بمشاركة الطيران الروسي، ومئات الضحايا من المدنيين.

كما تضامن ناشطون سوريون بطريقة مختلفة مع الحملة، وعبّروا عن استيائهم من عجز الأمم المتحدة عن إيقاف مجازر النظام السوري في حلب، لافتين إلى “انشغالها بأمور أخرى”، وتداولوا منشورًا لها عن “تعلم طبخة الأوزي”، في الوقت الذي تنفذ أبشع المجاز في المدينة ويبكي آلاف الأطفال داخل المناطق المحاصرة من الجوع.

ضغوط علىغوغلوفيس بوك

ولم تقتصر المشاركة على الوسم، إذ أطلق ناشطون سوريون حملة على موقع “آفاز” تطالب شركة “غوغل” بوضع علامة على محرك البحث للإشارة إلى المجازر التي تجري في مدينة حلب، السبت 30 نيسان.

وتهدف الحملة، بحسب تعريفها، إلى “فضح ممارسات قوات الأسد على ملء العالم، وتوجيه الرأي العام الدولي للقيام بواجبه لوقف حمام الدم هناك”، كما أنها تأتي “نتيجة القتل الممنهج الذي يقوم به نظام الأسد وميليشياته، في سوريا عمومًا وفي حلب خصوصًا، خاصة بعد قتل أكثر من ألف شخص خلال تسعة أيام”.

وتحرك ناشطون مصريون تضامنًا مع حلب، داعين لإيقاف الحسابات ليوم واحد على موقع “فيس بوك”، “للضغط عليه كي لا يتجاهل الوضع السوري، ويهتم فقط بقضايا الغرب”.

ولفت القائمون على الحملة، التي شارك فيها سوريون، إلى أن “حلب تحترق والنظام الأمريكي يدعم هذا الدمار، والفيس بوك مسيس يسكت عن هذه الفوضى”، مطالبين بالمشاركة التي من شأنها التأثير على أرباح الموقع خلال فترة إغلاق الحسابات، على اعتبار أن “سوريا مش أقل من فرنسا اللي العالم كله ساندها”.

كما خرجت وقفات تضامنية في جميع أنحاء العالم، فيما تظاهر طلاب جامعة القاهرة، السبت 30 نيسان، للتنديد بالمجازر في حلب، وتناقل ناشطون صورًا من فلسطين وغانا ودول أخرى تظهر لافتات تضامنية مع الضحايا المدنيين.

 

الروس يغتالون حلب والأصدقاءيتآمرون

لم يكن عبثيًا استثناء حلب من الهدنة الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ فجر السبت 30 نيسان، في دمشق وغوطتها وريف اللاذقية، فالاستثناء جاء بعد رفض روسي لتجميد القتال في المحافظة، الأمر الذي أذعنت له واشنطن وقبلته برحابة صدر.

مارك تونر، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، برر للروس رفضهم دخول حلب بالهدنة القصيرة الجديدة، وعدم محاولة بلاده الضغط بهذا الاتجاه، بقوله “من ناحية هو اعتراف بمدى تعقيد الوضع والقتال في المنطقة ينذر فعلًا بالخطر. نحتاج للبدء من مكان ما وسنبدأ باللاذقية والغوطة الشرقية.”

ومنذ مطلع نيسان الحالي، عملت الماكينة الإعلامية الروسية على “شيطنة” فصائل حلب، وادعت أن المحافظة تقع تحت سيطرة جبهة النصرة بشكل شبه كامل، وأن الأخيرة تنوي قطع الطريق الدولي جنوب حلب بثمانية آلاف مقاتل، في تقارير مغلوطة تزامنت مع تصريحات روسية رسمية تلمح إلى أن حلب وجهة جديدة للتصعيد.

“الأصدقاء” الأمريكيون كانوا أكثر “نفاقًا” في الموضوع ذاته، وفقًا لمحللين سياسيين، فكانت تصريحات وزير الخارجية، جون كيري، بمثابة غطاء أمريكي للمجازر الروسية- الأسدية في حلب، حيث قالها علنًا في مقابلة مع صحيفة “نيويورك تايمز”، السبت 23 نيسان، إن “المنطقة (حلب) أصبحت معقلًا لتنظيم جبهة النصرة الإرهابي المتصل بتنظيم القاعدة، لكن تعمل هناك في الوقت نفسه مجموعات معارضة تحارب القوات السورية النظامية”.

حديث كيري اعتبره محللون بمثابة تبرير لأي تصعيد ستشهده المحافظة لاحقًا، وأضاف أن “وجود الإرهابيين في هذه المنطقة هو الذي دفع إلى تحريك قوات المدفعية باتجاه حلب”، معربًا عن قلقه مما وصفه بـ “تعجل موسكو والنظام في سعيهما إلى القضاء على المجموعات الإرهابية في أراضي سوريا”، ومؤكدًا أن واشنطن “لن تجلس وتسمح لبوتين بالقيام بدعم النظام السوري وضرب المعارضة السورية”.

وذهبت صحف أمريكية، إلى أن “زلة لسان” ستيف وارين، المتحدث باسم العملية العسكرية الأمريكية ضد تنظيم “الدولة”، تعبّر عن الموقف الأمريكي الحقيقي إزاء تصعيد الروس في حلب، وقبول واشنطن بالعملية العسكرية ضد المعارضة هناك، حيث أجاب لدى السؤال عما إذا كان القصف الجوي الروسي المتكرر على حلب، يعني أن موسكو تتحضر لإنهاء الهدنة، بقوله إن “الأمر معقد” لأن “جبهة النصرة تسيطر على حلب، وهي ليست مشمولة في الاتفاق”.

وارين، وفي مؤتمر صحفي عقده في العاصمة العراقية بغداد، الأربعاء 20 نيسان، قال “أنا لن أقوم بالتنبؤ بنواياهم، لكن ما أعرفه هو أننا شاهدنا أن قوات النظام المدعومة من روسيا بدأت بتجميع وتركيز قواتها المقاتلة حول حلب… ومع قولي ذلك، فإن النصرة هي المسيطرة بشكل رئيسي على حلب، وبالطبع النصرة ليست جزءًا من اتفاقية وقف الأعمال العدائية، ونتيجة لما سبق الأمر معقد”.

“أوشك وارين على القول بأن التحالف يدعم القصف الجوي الروسي على المدينة، لكن هذا القصف، يهدف للقضاء على جميع المعارضين لبشار الأسد، الذي أصرت إدارة أوباما مرارًا وتكرارًا على أنه يتوجب عليه الرحيل”، كان هذا رد المحلل الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، كايل أورتن، وفقًا لموقع “بيزنس إنسايدر” الأمريكي.

رفض الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، فكرة إرسال قوات برية لمواجهة الأسد و”داعش”، في ظل تقارير تؤكد إيقاف واشنطن تسليح الفصائل البارزة في حلب، وتتجاهل استقدام تعزيزات إيرانية وأسلحة روسية ثقيلة على أطرافها، يترافق ذلك مع تدمير أحيائها وقتل أهلها بشكل ممنهج منذ ثمانية أيام، الأمر الذي اعتبره ناشطون إذعانًا أمميًا لـ “إغراق” حلب بالدماء و”تعويم” الأسد.

تابعنا على تويتر


Top