أطفال سوريا في المهجر…

عنب بلدي – العدد 58 – الأحد 31-3-2013
عنب بلدي – بيروت
أطفال بعمر الزهور يقفون في الشارع لبيع العلكة في وسط العاصمة اللبنانية. وجه علاء ذو الستة أعوام لا يكاد يخلو من علامات التعب من قسوة البرد التي تجعله ليس كباقي الأطفال العاديين وهو ينتشر مع أخوته على رصيفٍ في أحد شوارع بيروت يبيعون قطع العلكة.
فعلاء الذي اعتاد أن ينعم بدفء سريره -على الأقل- في كل ليلة، غافيًا على آمال توقف القصف المستمر على مدينته في ريف دمشق، ها هو اليوم يبقى حتى وقت متأخر من الليل يلاحق المارة في الشوارع المزدحمة راجيًا إياهم شراء علبة أو علبتين من العلكة الرخيصة كي يخفف شيئًا من قسوة التهجير والتشرد والحاجة التي وجد نفسه فجأة في مواجهتها في هذه السن المبكرة من حياته..

6-1

ها هي طفلة أخرى تقترب في شارع آخر، طفلة لا تتجاوز الأربعة أعوام من عمرها، وجهها الملائكي البريء لا تظهر عليه علامات التسول، وملابسها النظيفة المرتبة تؤكد ذلك أيضًا.. مدت الطفلة يدها الصغيرة وفردت أناملها الناعمة قائلة بلهجة سورية: «بدك علكة؟»، بكم العلكة يا صغيرة؟، فقالت بصوت خافت: «بألف لبناني»، وما إن أخذت الطفلة «الألف» حتى ركضت بها فرحة باتجاه والدتها التي تقف بجانب حائط قريب، لتأخذ منها علبة أخرى وتعود إلى بيعها….
هؤلاء الأطفال لم يدركوا بعد معنى الحياة ولم يخضعوا لقسوتها قبل ذلك، لقد سدت الحرب في وجوههم أبواب البراءة وحرموا منها بسبب تهجيرهم القسري من سوريا.
سامي الذي لم يطفئ بعد شمعته العاشرة، واحد من عشرات الأطفال أمثاله، أجبرتهم الحرب في سوريا على الهجرة وترك مقاعد الدراسة والعمل في مدن المهجر. التقينا بسامي في محل للطباعة وبيع أجهزة الكمبيوتر، حيث يعمل أجيرًا ويقوم بكنس المحل ومسحه وترتيبه.. جلس سامي يحدثنا لدقائق كيف خرج من حيه بمنطقة السكري بحلب مجبرًا، لا سائحًا أو زائرًا في لبنان، لكنه كان حريصًا وحذرًا في حديثه معنا، وقد تهرب من سؤالنا عن الجهة التي تقوم بقصف حيه في حلب، وفضّل القول أنه لا يتدخل بالسياسة وأنه ليس مع أي طرف وأضاف: «نحنا ما فادنا لا هدول ولا هدول» في إشارة إلى الجيشين، الحر والنظامي.
سامي الذي لم يشعر بالأمن والأمان حتى في بلد الحرية (لبنان) الذي فر إليه من بطش نظام الأسد، لا يزال يحن إلى حارته ومدرسته التي تركها قبل ستة أشهر.. «أنا واخواتي كنا من الأوائل بالمدرسة، بس الحرب هي السبب، طلعتنا من المدرسة … شغلي هون مريح بس أريح لو كنت هلأ بمدرستي ..». أما أصدقاؤه الذين لم يعد يعلم ما حل بهم، فقد حرم من لعبته المفضلة معهم، كرة القدم.. ففي بيروت «ما في حارات ولا أصدقاء العب معهم».
لم يقبل سامي عرضنا له بأن يذهب إلى مدرسة اللاجئين السوريين في بيروت قائلًا أنه يساعد أهله بمصروف البيت، وهو يعطي أجرته الأسبوعية التي لا تزيد عن 5 آلاف ليرة لبنانية لأبيه المريض، لكنه قال بعد صمت قليل وابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه «بدي ارجع لسوريا لمدرستي ولأكمل دراستي بمدرستي بالسكري …»
سامي الذي لم يستطع أن يخفي ما يخنق طفولته البريئة والتي حرم منها بين غبار آلات الطباعة وقصاصات الورق، لا يزال يشعر بأمل العودة القريبة إلى سوريا، وربما تسرب إليه هذا الأمل من أخته الكبرى التي أحضرت معها كتبها المدرسية -كما قال- لتحضر لامتحانات الكفاءة (التاسع) هذا العام والتي تعتقد أنها ستعود إلى بلدها قبل بدئها.
سامي ليس هو الطفل السوري الوحيد المهجر خارج بلده سوريا، فمئات الأطفال -وربما الآلاف- لم يتجاوزوا مرحلتهم الابتدائية، هجروا من أنحاء مختلفة من سوريا وانقطعوا عن الدراسة، وارتموا في أحضان قدرهم المجهول بين أرصفة وشوارع وحارات لا يعرفونها ولا ترحمهم، وتبقى قصصهم مغيبة عن شاشات الإعلام وصحفه اليومية التي تملأ الدنيا ضجيجًا بمواقف السياسيين، وأخبار العسكر وتفاصيل المعارك اليومية التي لم تتوقف بعد.

تابعنا على تويتر


Top