التجديد الديني، حياة أو موت

Untitled-1.jpg

طريف العتيق – حمص

كثيرة هي المقاربات السياسيّة التي تقارن بين الربيع العربيّ والثورات الأوروبيّة التي دشنتها الثورة الفرنسيّة في القرن الثامن عشر، وتبعتها ثورات وإضّرابات سياسيّة عدّة، هذه المقاربة السياسيّة لها وجاهتها واعتباراتها الخاصّة، وكُتب عنها مرات عديدة خلال الأعوام الثلاث الماضية.

إلا أن الغائب عن الاهتمام اليوم، هو المقاربة الدينيّة للمسألة، فكما هو معروف كانت الكنسية الرومانيّة (والتي سمّيت لاحقًا بالكنسية الكاثوليكيّة) تمارس استبدادًا وظلمًا (أو تدعمه على أقلّ تقدير) على طبقات المجتمع الأكثر فقرًا، كما أخذت -الكنسية- موقفًا حادًا من أيّ معارضة دينيّة أو علميّة لأفكارها الرسميّة، فبعد تبنيها لأفكار وآراء أرسطو، حرّمت الخروج عن هذه الأفكار، أو معارضتها.

لقد شكّلت الكنسية آنذاك رمزًا للسلطة الفكريّة، وممارسة الاستبداد، ورغم حركة الإصلاح البروتستاني، والتي بدأت في القرن السادس عشر، مبكّرة عن الثورات الأوروبيّة، إلا أن هذا لم يوقف عجلة التيار الخارج عن الدين، خاصّة بعد أن خاض الأوروبيّون حرب الثلاثين عامًا، إثر شرارة صراع دينيّ بين البروتستانت والكاثوليك، والتي خسرت بها بعض شعوب أوروبا ثلثي سكّانها.
هذه الظروف كلّها (الاستبداد، محاربة العلم، وأخيرًا حرب دمويّة على أساس دينيّ) دفعت الشعوب الأوروبيّة إلى التبرّم من فكرة الدين، والتي بدأت بفصله عن الدولة (العلمانيّة)، ثم بفصله عن المجتمع (الليبراليّة)، وأخيرًا فصله عن الحياة الفرديّة (فلسفة اللذة)، وشهدت أوروبا موجة التفاخر بالإلحاد.
هذا العرض السريع والمكثّف للأحداث، يهدف إلى إبراز أوجه التشابه الكبير، بين الدور الذي كانت تلعبه الكنسية الرومانيّة باعتبارها المؤسسة الدينيّة الرسميّة، والدور الذي لعبته وتلعبه المؤسّسة الدينيّة التقليديّة الإسلاميّة، أو علماء ومشايخ السلطان.
فبالعودة إلى أرشيف أخبار الربيع العربيّ، نلاحظ وجود صوت دينيّ بارز دومًا في كلّ دول الربيع، أفتى بتحريم التظاهر، ومنع الخروج على وليّ الأمر ومحاولة تغييره.
ففي سوريا لعب المشايخ دورًا معروفًا في العاصمة دمشق وثاني أكبر مدن البلاد حلب، في تهدئة الناس، وتأخير المدّ الثوري إلى العاصمتين السياسيّة والاقتصاديّة، ممّا أضعف فرص نجاح العصيان المدنيّ في إسقاط الأسد، ودفع بإتّجاه التسلّح. هذا الدور لعب بواسطة مئات المنابر، مدعومًا بعشرات كتب التراث الدينيّ.
نضيف إلى ذلك، الدور الديني السلطويّ، الفكريّ والعلميّ، فأئمة هذه المدرسة الأربع بقوا يشكّلون المنهل الوحيد لتراثها، رغم تقادم الزمان، والحاجة إلى التجديد، فقهيًا وفكريًا. إذ تعاني المفاهيم الدينيّة من تقادم زمنيّ طويل، لعب التراكم السلبيّ عليه، دورًا سيئًا، فتشوهت معظم مفاهيمه، كالإيمان، والعمل الصالح، والعلم، والتقوى، والتوكّل…
أما بخصوص الموقف الدينيّ من العلم، فيمكن قراءة الردود التي كتبت على نظريّة التطوّر -مثلًا- لمعرفته، إذ إنّ هذا الموقف لا يناقش محتوى النظريّة ويفنده بشكل علميّ، بل بهجومٍ لفظي، مشفّع بآيات قرآنية، ولو نظر هذا الموقف إلى النظرية دون اعتبارٍ مسبق ومن ناحية علميّة بحتة، لوجد أنها لا تعارض الدين في معظم ما طرحته، بل وأنّ النقطة التي يقف الدين فيها موقفًا حاسمًا في الرفض هي ذاتها النقطة غير المثبتة بشكلٍ علميّ كافٍ.
وليس العنصر الثالث بغائب، وأقصد النزاع الدمويّ على أساسٍ دينيّ، فنحن نشاهد كلّ يوم عشرات المشايخ من المذهبين السنيّ والشيعيّ يذكّون نار العداوة والبغضاء بين أتباع كلّ مذهب على الآخر، وهذا النفخ في الكير بات أوضح بعد انطلاقة الثورة السوريّة، والذي يتجوّل بين المحطّات التلفزيونيّة يلحظ هذا التأجيج بوضوح. الذي بات يخاف حقيقةً من تحوله إلى حرب طائفيّة شاملة.
وهكذا مع اقتراب المقدّمات من تطابقها، لم يعد ببعيد أن ننفي النتائج (فهكذا تفهم سنن التاريخ، إذا تشابهت المقدّمات تشابهت النتائج، وهو ما يكنّى عنه بالقول أنّ التاريخ يعيد نفسه)، إنّ المنطقة تقف على أعتاب موجاتٍ إلحاديّة كبيرة، تتبرم من الدين، فكرًا أو سلوكًا أو الاثنين معًا، ولا يمكن الخروج من هذه الدوامة، إلا بإطلاق حركة إصلاح دينيّ شاملة، تعيد قراءة التراث، وتخرج منه أفضل ما فيه، وتلقي في غياهب النسيان كل الخرافة والجهل والسلبيّة الكامنة فيه، ثم تنفتح على الغرب، فتنهل منه أفضل ما فيه، وتستبعد أسوأ ما فيه، ثم تطرحه في الكتب والمنشورات والمنابر والمحاضرات، ليغدوا فكرًا مجتمعيًا بديلًا.
إنّ الحاجة إلى التجديد الدينيّ، لم تعد مسألة ترف فكريّ، بل هي اليوم مسألة حياة أو موت.

تابعنا على تويتر


Top