حلب، من «شرقستان إلى غربستان» ورحلة الخوف

عنب بلدي – العدد 58 – الأحد 31-3-2013

كارمن هادي – حلب
أضحت مدينة حلب بحضارتها وتاريخها بقايا لما كان يسمى «العاصمة الاقتصادية» لتتحول إلى نموذج يدل على «همجية» النظام في التعامل مع المدنيين في المدن الثائرة، إذ أصبح روتين الحياة اليومية المعتاد معركةً للبقاء سواء في المناطق المحررة أو تلك التي ما زالت خاضعة لسيطرة النظام، وليتحول رغيف الخبز إلى لون الدم برمزيته ولتتوارد أخبار المعارك لتطغى على «بطولات» المواطن البسيط في معركته للبقاء.
ودفع تقسيم حلب المدينة لقسم غربي وآخر شرقي، «محرر ومحتل»، العديد من المواطنين للتهكم قائلين: نعيش في دولتين منفصلتين «شرقستان وغربستان»،  لتزداد معاناتنا في حال اضطرارنا للانتقال بين شطري المدينة عبر ما سمي بـ «معبر رفح» (نسبة لمعبر رفح في غزة) في منطقة الإذاعة بسبب تواجد القناصة.

17
أم سلام سيدة في أواخر السبعينات، تجبرها الظروف للتنقل بين شطري المدينة بشكل أسبوعي للوصول إلى المناطق «المحررة» للاطمئنان على قريبتها العاجزة والتي رفضت مغادرة منزلها، اختزلت معاناتها ومعاناة قريبتها بالقول «أضطر للنهوض باكرًا لأجد من يقلني للضفة الأخرى من المدينة، ولأعاني من استغلال البعض حين يطلبون مبالغ كبيرة لنقلي إلى هناك، ناهيك عن التفتيش من قبل حواجز الجيش الأسدي والحر على حد سواء، ولتزداد حدة المشكلة إن كنت أحمل بعض الأدوية اللازمة لمعالجة قريبتي المريضة».
وصرح أبو طريف لعنب بلدي، وهو صاحب منشأة صناعية في حلب القديمة اضطرته الظروف أيضًا للتنقل بين طرفي المدينة في محاولة لنقل ما تبقى من بضاعة من منشأته الصغيرة ليسد حاجات أسرته أن كل حمولة تكلفه 15 ألف ليرة مقابل 2000 ليرة فيما مضى، وذلك كإيجار لصاحب سيارة النقل، هذا عدا أجور العمال الذين يطلبون مبالغ كبيرة بعد معرفتهم بمكان المنشأة،  ويتابع أبو طريف عن معاناته عند المعابر: «بقيت في إحدى المرات تحت القصف ووابل الرصاص لمدة خمس ساعات تقريبًا إلى أن تمكنا من عبور منفذ الموت، رأيت الموت، ولكن ليس لدي مصدر آخر للرزق».
أما بالنسبة لأبو أحمد فالوضع مختلف، فهو صاحب مشغل صغير في حي الشعار، حيث تطغى أصوات ماكينات الخياطة على أصوات القصف وإطلاق الرصاص. ويعمل العمال في هذا المشغل دون كلل مع ندرة الحصول على فرص للعمل وذلك مقابل 3500 ليرة أسبوعيًا. ويقول أبو أحمد: «لم يغلق هذا المشغل إلا أيامًا قليلة مع اشتداد القصف،  يبعد منزلي عن العمل عشر دقائق بالسيارة لكنني لا أعود إليه إلا في عطلة الأسبوع،  أما زوجتي وأولادي فيبقون بمفردهم لأنني أخاف من المخاطرة بعبور المسافة بشكل يومي».
وتعتمد غالبية هذه المنشآت الصغيرة كما غالبية السكان على مولدات كهربائية مرتفعة الكلفة في مدينة تعاني من تقنين حاد في التغذية بالتيار الكهربائي تترافق مع ندرة في المحروقات وارتفاع أسعارها.  ففي معركة الإنسان اليومية تختفي أخبار السياسة والحروب بين معارض ومؤيد،  ليبقى صوت المواطن البسيط طاغيًا على ما سواه.

تابعنا على تويتر


Top