الإرهاب الروسي.. والمفهوم الفضفاض للإرهاب عالميًا

محمد محمود

أسئلة تراود الكثيرين: ما هو مقياس الإرهاب في مجلس الأمن؟ وهل الدول الكبرى تعمل فعلًا ضد الإرهاب، أم لتحقيق مصالحها الاستراتيجية من خلال مفهوم “مكافحة الإرهاب”؟

وهل تقبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ضمان أمن وسلام هذا العالم وهي أكبر الدول المستفيدة من تجارة السلاح العالمية؟

إذا علمنا أن نصيب الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن من حجم تجارة تصدير السلاح العالمي بلغ أكثر من 80%، فكيف لدول تبيع الموت والحروب أن تكون ضامنًا ومسؤولًا عن ضمان الأمن والسلم في العالم؟ ومن أين تحصل التنظيمات الإرهابية والميليشيات التكفيرية والإرهابية على الأسلحة، إلا إذا كانوا يوردون من الدول الكبرى والمافيا الدم العالمي؟

على ما يبدو فإنّ مجلس الأمن والأمم المتحدة هما كيانان مبنيّان على أساس إقامة العدل وإنجاز العدالة في المجتمع الدولي، لكنّ أبوابهما توصد في مواجهة العدالة، بينما تنهار القيم الإنسانية والدولية بسبب التجارة بالسلاح.

باسم مكافحة الإرهاب تشكل التحالف الدولي، الذي يدمّر البنية التحتية والاقتصادية في سوريا، وليس من مصلحة الدول الكبرى القضاء على “داعش” وأخواته لأنّ هذا التنظيم تشكلّ قبل النظام الأسدي والملالي الإيراني، بالتنسيق مع المافيا ومراكز الاستخبارات العالمية ليشكل ذريعة للقضاء على قدرات الشعوب وإنقاذ الأنظمة الاستبدادية، التي خدمت مصالح الدول الكبرى في المنطقة.

وبعد خسارة روسيا في عدة مناطق في العالم لم يبقَ لها إلا سوريا لتحقيق استراتيجيتها، مستغلةً مفهوم “محاربة الإرهاب” للتدخل لدعم نظام الأسد المجرم، وهذا بات واضحًا خاصة بعد أن شعرت بضعف وخسارة النظام، إثر التقدم العسكري في الجنوب والشمال من قبل المعارضة. ركزت روسيا غاراتها على الجيش الحر والكتائب المعتدلة أكثر من ادعائها محاربة “داعش” والكتائب المتطرفة.

الهدف: هو تقدم قوات إيرانية وحزب الله لإعادة السيطرة على مناطق خسرها النظام القمعي خلال السنوات السابقة، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى استمرار الصراع تحت حجة تعديل ميزان القوى، وزيادة الدمار والقتل والتشريد.

بوتين الروسي تدخل للحفاظ على مصالحه في سوريا بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام من خلال إنقاذه النظام الاستبدادي، بعد أن خاب أمله بقوات وميليشيات إيرانية ولبنانية وعراقية في القدرة على حماية النظام.

في المقابل فإن الإدارة الأمريكية وجدت بالتدخل الروسي في سوريا تحقيقًا لأهداف أمريكية بعضلات روسية. الأمريكيون بما ورثوه من خبرات الاستعمار الأوروبي للمنطقة، وباطلاعهم على دواخلها، أوعى من الروس باللعبة الاستراتيجية في سوريا.

وليس سرًا أن الأمريكيين مسرورون بالتدخل الروسي، ويرونه فرصة للكف من عنجهية بوتين، وقد عبر توماس فريدمان، في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز، عن الانتهازية الأمريكية في التعامل مع مغامرة بوتين في سوريا، بقوله إن “بوتين سيواجه غضب العالم الإسلامي بأسره، بما فيه المسلمون الروس”، وسيجد نفسه في وضع “من تسلق شجرة لا يستطيع النزول منها”، وأضاف أن “تسرع بوتين للتورط في سوريا ربما هو الذي سيرغمه في النهاية على البحث عن حل سياسي هناك”.

المنطقة، من وجهة النظر الأمريكية، فيها فائض من البشر وفائض من التدين يجب تقليصه بأي وسيلة، والثورة السورية أتت كوسيلة لاستنزاف كل الأطراف غير المرغوب فيها من الأعداء والحلفاء، من السلفية الجهادية السنية إلى الميليشيات الشيعية، ومن إيران إلى تركيا، ومن دول الخليج إلى روسيا، التي كانت خارج دائرة الاستنزاف قبل تدخلها المباشر في قتل الشعب السوري.

لذا ليس من المبالغة القول إن جرائم أمريكا بحق السوريين لا تقل بشاعة وفظاعة عن جرائم روسيا، لأن واشنطن هي التي منعت وتمنع تقديم السلاح النوعي للقوات المعتدلة التي تحارب النظام، وأيضًا حاربت ومنعت إقامة المنطقة الآمنة وتحاول القضاء على الثورة السورية من خلال مذبحة مفتوحة بعضلات الروسي والإيراني وحزب الله وميليشيات عراقية ونظام مجرم.

وعليه، لا بد من إعادة النظر في المفاهيم الدولية وتركيبة مجلس الأمن وتحديد مفهوم الإرهاب بشكل منهجي ومدروس، وألا يبقى مجرد شعار لمحاربة الشعوب.

أصبح عرفًا سائدًا أن كل ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في هذا العالم، يعتمد على شعار واحد هو “مكافحة الإرهاب”. هذا بعد 2001 وتفجيرات نيويورك، ولكن بعد الثورات العربية والربيع العربي أصبح هذا الشعار من أولويات الشعارات التي ترفعها الأنظمة الديكتاتورية وبإيعاز من روسيا وإيران المستبدتين.

للوهلة الأولى، يبدو هذا الشعار بغاية الجمال والإنسانية، وهو يقود بشكل تلقائي لشعار أجمل عنوانه العريض “التسامح والعدل في العلاقات الدولية والإنسانية”. إلا أن القصد من رفع الأنظمة عمومًا وروسيا خصوصًا للشعار مختلفٌ تمامًا، وبعيدٌ كل البعد عن معانيه الإنسانية. فروسيا هي البلد الأول الذي مارس، ومايزال يمارس، الإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه.

المجازر بحق الجورجيين والكورد أيام ستالين، والمجازر الدموية بحق الأفغان وبحق الشيشان والبوسنة والهرسك، المجازر بحق العراقيين، من خلال الدعم اللامحدود للنظام الفاشي الصدامي العراقي، وحرب الأنفال الدموية التي ارتكبت بحق الكرد، الدعم اللامحدود للنظام الاسدي الدموي، الدعم اللامحدود لنظام الملالي الإيراني.

إن معنى الإرهاب في القاموس الفاشي الروسي البوتيني واضح ولا تشوبه شائبه، ولا يحتاج إلى خبراء لترجمته وشرحه، ويمكن تلخيصه بالتالي:

-إنه أي كلمة أو أغنية أو قصيدة تكتب ضد هذه السياسة القبيحة.

-أي عمل يرفض الرضوخ والركوع لهذه السياسات اللاإنسانية، وهذا يعني
أن الدفاع أو التأييد لأي قضية عادلة هو نوع من أنواع الإرهاب.

-أي محاولة للدفاع عن باقة ورد في بلادنا هي عمل إرهابي.

-أي محاولة للدفاع والذود عن تاريخك وحضارتك وثقافتك وإنسانيتك هي عمل إرهابي.

-أي محاولة لرفض ثقافة الاستبداد، وثقافة تشريع الاغتصاب هي عمل إرهابي.

-أي محاولة للدفاع عن خبزك اليومي هي إرهاب ما بعده إرهاب.

-وأخيرًا، وليس آخرًا، أي نداء للسلام والتضامن والإخاء الإنساني، وأي نداء
للحرية من أجل حياة أفضل بلا جوع أو مرض أو خوف هو الإرهاب بعينه.

ما يجعل الصورة أبشع وأكثر قتامة، أن التعريف الروسي للإرهاب يكاد أن يصبح متبنى عالميًا، فقد أصبح مفهوم “الإرهابي” على الصعيد العالمي يطلق على أي مجموعة سياسية أو اجتماعية، أو حتى ناشطين أفراد يعارضون الشعار الروسي القبيح.

بعد كل ما تقدم، فإن النضال لإسقاط وإفشال السياسات الروسية لا يجب أن يكون عملًا تضامنيًا فقط، إنه واجب أخلاقي يقع على عاتق كل إنسان محب للسلام والعدل، والحياة الكريمة.

يجب أن يكون النضال ضد السياسات الروسية ومحاولة سيطرتها على مقدرات عالمنا ومجتمعاتنا واجبًا إنسانيًا، من أجل كل هذا، فإننا ندعو جميع القوى السياسية في العالم العربي والشرق الأوسطي، لمقاومة هذاالإرهاب الروسي، والذي سيقود حتمًا ليس إلى قمع دول وشعوب أخرى، بل وسيمتد ليقمع كل صوت حر أينما وجد.

علينا أن نرفع صوتنا ضد السياسات والممارسات الإرهابية الروسية في مناطقنا، فهو الوباء الذي يريد الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية والقمعية لتحكمنا إلى الأبد.

تابعنا على تويتر


Top