المشافي في سوريا.. إنسانية مفقودة وموت إضافيّ

j_6da74f0098a1ba727f763d5d22c3d8c41.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

لم تكن المشافي الحكومية السورية مضرب مثل في جودة الطبابة أو العناية بالنظافة قبل الثورة، الأمر الذي كان يدفع معظم السوريين لقصد المشافي الخاصة “حرصًا على الحياة”، باذلين لأجل ذلك كل غال ونفيس.

لكن سوء الأوضاع الأمنية والمعيشية في ظل الحرب ساهم في تقليص الفارق بين المشافي الخاصة والحكومية، نحو الأسوأ، ما جعل منهما “مضرب مثل” حقيقيّ في الحال الذي لا يجب أن تكون عليه المراكز الصحية، وعزّز ذلك غياب الرقابة بشكل شبه كامل، وانخفاض قيمة الليرة السورية، وسفر نسبة كبيرة من الأطباء وذوي الخبرة.

صمام قلب لا يعمل!

“توفي والدي فجأة، بسبب تركيب صمام لا يعمل لقلبه”، بهذه العبارة تلخّص سارة، جامعيّة من مدينة حماة، المأساة التي حلّت على عائلتها بشكل مفاجئ بسبب خطأ طبي.

والد سارة في الثالثة والستين من عمره، ومصاب بمرض القلب منذ عشرين عامًا، لكن صحته بدأت بالتراجع في الآونة الأخيرة، “لدرجة أُغمي عليه أثناء صعود الدرج، أسعفناه إلى المشفى وأخبرونا بعد إجراء قثطرة أنه بحاجة لاستبدال الصمام”، تضيف سارة.

أصرّت العائلة على إجراء العملية في مشفى خاص بدمشق، فحسب سارة “مشافي الشام متطورة أكثر والرقابة الصحية في العاصمة أكبر، باعت والدتي صيغتها لتغطية تكاليف العلاج، ونقلنا والدي إلى مشفى خاص بدمشق، وأجرى الأطباء له العملية..”.

بعد أن أتم الأطباء العملية فوجئوا بنبض المريض يتباطأ منذرًا بخلل، واكتشفوا مشكلة في الصمام الذي تم تركيبه للتو، فهو لا يعمل بشكل صحيح “أخبرنا الأطباء أنهم حاولوا تصحيح الخطأ وتبديل الصمام على الفور لكن والدي توفّي بين أيديهم في هذه الأثناء”.

سألنا سارة إن كانت العائلة تقدمت بشكوى على الطبيب أو المشفى، فهزت رأسها نفيًا “سألنا محاميًا فأخبرنا أن الدعوة والذهاب للمحاكم سيكلّفنا الكثير دونما نتيجة مضمونة، خاصة أن والدي كان مريضًا ولدى المشفى تحاليل تثبت ذلك”، وتستأنف بحسرة “سلمنا أمرنا لله فلا شيء سيعيد والدي إلينا”.

وفاة بسبب الحاجة إلى كيس دم

في حديث مع د.حكيم، اسم وهمي (لأسباب أمنية) لطبيب في دمشق، يؤكّد أنه ينصح مرضاه بارتياد المشافي الحكومية رغم كل الإهمال والتسيب فيها، ويعلل ذلك “أنصحهم بالمشافي الحكومية لسبب واحد، وهو توافر أكياس الدم عند الحاجة، وهو الأمر الذي قد تفتقر إليه المشافي الخاصة رغم كل تجهيزاتها”.

يستشهد حكيم على ذلك بقصة من مشفى المهايني في دمشق، “توفيت إحدى السيدات أثناء عملية ولادة قيصرية، كان ذلك عقب نزيف حاد لم يستطع الأطباء إيقافه ولا تعويضه بدم لعدم وجود أكياس في المشفى”.

“التجارة شطارة”

يضيف حكيم أن الوضع الطبي أضحى محيّرًا اليوم، ومن الصعب أن ينصح مرضاه بشكل حاسم فكل الخيارات لها ضريبتها، ويوضح “المشافي الحكومية تحكمها الواسطات، عدا عن افتقارها لأبسط مستويات النظافة والتعقيم، إضافة إلى الحاجة للانتظار وهو ما قد لا تسمح به حالة المريض الصحية في كثير من الأحيان”.

لكنه يستأنف أن وضع المشافي الخاصة ليس أفضل حالًا “عدا عن الأخطاء الطبية المميتة التي تتكرر ويسمح بمرورها التهاون بالرقابة نتيجة الأوضاع الأمنية السيئة، فقد غدت تكاليف العلاج بالمشافي الخاصة أعلى من القدرة المادية لمعظم السوريين اليوم، فمثلًا تتجاوز تكلفة الولادة في بعض المشافي الخاصة 200 ألف ليرة سورية، والسعر يزيد حسب نوعية الولادة (قيصيرية أم طبيعية) واسم المشفى والطبيب ومدة الإقامة، فما بالك بتكاليف الجراحات الكبرى وعلاجات الأمراض المستعصية كالسرطان؟”.

تؤكد تجربة السيدة أم بلال (35 عامًا من دمشق) ما قاله الدكتور حكيم، وتقول “أُسعف زوجي من عمله إلى مشفى الشامي نتيجة ذبحة صدرية، أسرعت للمشفى لأستفهم عن وضعه وأطمئن عليه بعد أن أخبرني زملاؤه بالعمل، فبدأ الطبيب كلامه بالتالي: هل تريدين إجراء عملية بتكلفة 600 ألف ليرة سورية أم الاعتماد على الأدوية بتكلفة 75 ألف ليرة سورية”.

وتضيف أم بلال “تخيلي أن الطبيب قال لي هذا قبل أن أرى زوجي أو أفهم حالته، منذ متى يعمل الطبيب كمحاسب؟”.

صراصير.. شبكة عنكبوت.. وحائط رطب!

هذا ما رآه غياث (23 عامًا من حمص) في مشفى الأمين عند زيارة جده، ويوضح “صعدت إلى المطبخ لأطلب من الممرضة تسخين الطعام لجدي لكني فوجئت بها نائمة وسط قذارة لا توصف”.

يشبه غياث المشهد “بحارة عشوائية منسية من النظافة والحضارة”، ويضيف “كيف يمكن أن يكون المطبخ الذي يُحضّر فيه طعام المرضى بهذا الشكل، الصراصير الصغيرة تسرح وتمرح في كل مكان فيه، وثمة شبكة عنكبوت في الزاوية، مع حائط متقشر من الرطوبة، هل يمكن أن يكون هذا مطبخًا، عدا عن كونه في مشفى؟”.

يضيف غياث “إن لم يمت المريض جراء مرضه، سيموت من أكله للطعام المطهي في هكذا مطبخ، يبدو أن مهمة المشافي هذه الأيام هي تأخير الموت عدة أيام أخرى لا الشفاء من المرض”.

عملية زائدة مستعجلة

على طابور الانتظار في مشفى المواساة بدمشق وقفت أمل، وهي مهندسة عمرها 25 عامًا، وأختها المريضة منى لمقابلة الطبيبة، لكن الطابور لم يتحرك “طبعًا هناك طابوران، عسكري ومدني، العسكري كان يتحرك بسرعة لكن طابور المدنيين بطيء وتحرّكه الرشاوى والواسطات”، تقول الفتاة.

صعدت أمل لمقابلة الطبيبة علّها تنظر في حالة أختها السيئة فتعاينها بسرعة، “للأسف نظرت الطبيبة إلى حجابي بازدراء، وأخبرتني بلهجتها واضحة الانتماء أن أقف وراء الطابور كما الجميع”.

لم تصبر أمل أمام حالة أختها السيئة وآلام بطنها المتزايدة، فقصدت بها مشفى الرازي “هناك تم تحويلها إلى غرفة العمليات فورًا إذ اكتشفوا حاجتها لعملية استئصال الزائدة قبل أن تنفجر”.

تقول أمل “أحمد الله أنني لم أنتظر فربما كان الثمن حياة أختي، رغم بساطة العملية اليوم”، وتضيف بحسرة “استطعت قصد مشفى الرازي لكن هل يمكن لكل المرضى أن يقصدوها ويدفعوا أجورها المرتفعة؟”.

وفاة أثناء عملية الزائدة

ويبدو أن أمل كانت محقّة في قولها، فعملية استئصال الزائدة “البسيطة” حسب قولها، كانت سببًا في وفاة شابة عشرينية وخريجة كلية الهندسة من جامعة البعث.

يخبرنا عن ذلك عبد الرحمن، طالب أدب انكليزي في جامعة البعث، بقوله “سمعنا فجأة عن وفاة مهندسة شابة من حارتنا، صحتها كانت ممتازة ولم تبدو عليها آثار المرض، بالإضافة لذهابها يوميًا للدوام بوظيفتها قبل وفاتها ما جعلنا نستغرب”.

بعد التقصّي عن الأسباب توصّل عبد الرحمن إلى أن الوفاة كانت أثناء إجراء عملية الزائدة “أسعف الأهل ابنتهم إلى المشفى الحكومي، وكان لابد من الانتظار، إلا أنها توفيت أثناء العملية بسبب انفجار الزائدة الدودية، هذا ما علمنا به”.

شو جايبينو يموت عنا؟

يخبرنا الأستاذ سعيد من حمص عن محاولات إسعاف والده ليلة وفاته، ولعلها قصة تلخص كل ما ذُكر في التقرير “كان أبي رحمه الله مصابًا بالسرطان بالقولون، وفي ليلة وفاته ساء وضعه بشكل كبير وعانى من ضيق في التنفس، اتصلنا بالإسعاف وأتت سيارة الهلال، لكن السيارة لم تعرف إلى أين تأخذنا، اتصل سائق السيارة بكل مشافي حمص، الهلال، الرازي، النور، الأمين، الوطني، الزعيم، لكنهم جميعًا اعتذروا لعدم وجود أمكنة، لم يستقبلنا أحد، في النهاية استقبلنا مشفى بيسان في المخيم بسبب وجود صديق يعمل أخوه كطبيب فيه وبعد أن كتبتُ تعهدًا بإدخاله على مسؤوليتي”.

لكن أحد الممرضين صاح بالعائلة عندما وصلت المشفى “شو جايبينو لهاد يموت عنا؟”، يقول سعيد.

توفي والد سعيد ليلتها، وعند تحققه اكتشف أن مشافي الهلال والأمين والنور كانت تحتوي أمكنة وأطباء مناوبين، لكنهم لم يرغبوا باستقبال حالات ضيق تنفس “لأنهم خافوا أن يكون مصابًا بإنفلونزا الخنازير أو ذات الرئة ولم يرغبوا باستقبال حالات بهذا الحجم”.

تابعنا على تويتر

Read it in English

Top