هل مجتمعنا إسلامي حقًا ؟

حنين النقري – دوما

قبل أي توقّع لملامح طائفية في مقالي، أود أن أوضح أني لا أتكلم عن المدن التي تحوي طوائف وأديان عديدة، بل أتكلم عن تلك التي لا تحتوي سوى دين واحد، طائفة واحدة، ينتمي لها كل أهلها… تلك التي تم تحريرها، وبدأ الحكم الذاتي فيها لتقوم على أقدامها مجددًا، مثل مدينتي دوما..
يتجه اليوم المجتمع بعمومه لله، للتدين، وذلك بسبب تضييق الحريات بعمومها في عهد الاستبداد، والحرية التي حصلت المناطق المحررة عليها والتي أتاحت لنا أن نمارس ما كنا نخشى ممارسته من حريات جهارًا نهارًا، وعندما تكون المدينة بكاملها ذات صبغة دينية واحدة، تصبح الدعوة للدين ولتطبيق أصوله فيها واضحة مباشرة، كإحدى الحريات التي كانت مقموعة منذ عقود، فرأت النور مجدّدًا..
لكن هل نحن مهيؤون حقًا للعودة؟ وهل مجتمعاتنا إسلامية لدرجة تسمح بتطبيق الشرع بحدوده وأصوله؟ ومن الذي يحدد الشرع الذي سيطبق، والأمر مختلف عليه منذ عهد الخلفاء الراشدين؟ ثمة مصطلحات مختلف عليها، وثمة أمور كانت موضع خلاف طويل تاريخي، فمن ذا الذي سيحسم فيها؟

21 نزل القرآن على النبي صلوات الله عليه متفرقًا على 23 سنة، مبتدئًا بالعقائد، بتأصيل الإيمان بالله والتوحيد، لينتهي بالعبادات وتفاصيلها والحدود، فاذا أردنا أن نحكم المجتمع بحصيلة هذه الأعوام الثلاثة والعشرون، بحذافيرها وكل ما فيها، دون تهيئة، دونما فترة دعوة حقيقية، لأشخاص ولدوا مسلمين لكنهم ما عرفوا الإسلام كما هو يومًا، فإن ذلك سيكون برأيي إجحافًا!
عندما تعامل من حولك، ممن تكاد ثقافتهم الدينية تكون صفرًا، معاملة الصحابة وتطبّق عليهم ما طبقه النبي على الصحابة فأنت تظلمهم، يمكننا تشبيه ذلك بامتحان طالب مقصّر بدراسته أتاك في نهاية العام الدراسي مع طالب أتيح له فهم المنهاج كاملًا، واستيعابه درسًا تلو الآخر، امتحانهما معا، بذات الأسئلة، وذات سلم التصحيح، وتقييم أداء المقصّر بناء على أداء الطالب المجدّ، ظلم!
ظلم للمقصر ﻷنه كان أولى بك أن تبدأ معه من الألف باء، من بداية الابجدية، أن تسد له حاجاته الأساسية وتؤمن له البيئة السليمة، أن توسع مداركه وتعطيه من العناية ما كان مولىً للطالب المجدّ الذي ما فتئت تعيّره به!
ثم إن شئت فامتحنهما معًا، لكن قبل ذلك، ستتعب كثيرًا، وستظلم كثيرًا!
لكل فترة خصائصها، ولكل فترة فقه أولويات خاص، عمر الفاروق لم يعمل بحدّ السرقة في سنين فقرٍ مرت بها الأمة، وما ذاك إنكارًا منه للحد، إنّما تبصّرٌ وسعة أفق بضرورة فهم النص وروحه قبل تطبيقه.. فهل كان عمر الفاروق أقل ورعًا وفهمًا منّا للدين؟
لدينا من العيوب ما لدينا، وفيما بيننا ظلم كثير، وأخطاء اجتماعية وفردية عميقة عمق الاستبداد، محاولة التعامل مع المجتمع بشكل مثالي، على أنه «حاصل على تربية إسلامية صحيحة وخالصة»، وتطبيق ما تستلزمه هذه التربية من حدود بشكل صارم لا يقبل التفاوض، يشبه أن تعامل رضيعًا معاملة الراشد!
هناك مسؤوليات كبيرة وجسيمة، أحقّ وأولى بالتطبيق، وعندما يغدو الرضيع راشدًا، واعيًا بمهامه ومسؤولياته، بعد تربيةٍ صحيحة وسليمة، وتبدو عليه ملامح النضج، عندها فقط، يكون لك الحقّ في التعامل معه كراشد.. فلا تستعجلنّ رشده!

تابعنا على تويتر


Top