المجتمع من المطالبة إلى ريادة العمل

عنب بلدي – العدد 59 – الأحد 7-4-2013

عتيق – حمص
واحدة من أبرز السمات التي سادت في عهد الأسد الأبّ والابن: غيابٌ شبه مطلق للمجتمع في إدارة شؤونه وتنظيمها، وتلبية حاجاته وسدّها، فكثيرًا ما تُردّد عبارة «تصحّر الحياة السياسيّة» في معرض تفسير الأداء البطيء ودون المستوى للمعارضة السياسيّة، لكنّ التصحرّ حقيقةً لم يتوقف على السياسة، بل شمل كلّ شيءٍ آخر كالاقتصاد، التعليم، الإعلام، الثقافة، الدين، الزراعة.. في كلّ المجالات كانت الدولة عبر مؤسساتها الرسميّة هي التي تتولى العمل من ألفه إلى يائه، وهي التي تضع الخطط، وتسيّر الشؤون، لا شريك لها.
ومع تراكم السنوات، ونتيجة هذا التعطيل الشديد الذي ساد المجتمع، فقد السوريّ مهاراته المختلفة، وترسّخت السلبيّة في نفسه أكثر، وبات مطالبًا أكثر منه فاعلًا.

20
ويمكننا مثلًا أن نسمع الكثير من شرائج المجتمع وهي تقول «وين السياسيين يلي قاعدين برا، يجوا لهون، هون الشغل، الكهربا والمي والخدمات»، ورغم أحقيّة هذا المطلب، إلا أنّ المشكلة في سيادة ثقافة أن تكون مطالبًا يسعى الآخرون لتأمين احتياجاتك، أكثر من كونك فاعلًا على تأمينها.
وهنا يأتي الخوف المصاحب لتشكيل الحكومة الجديدة، التي سيكون أمامها من التحدّيات والصعاب الكثير الكثير، فما علينا أن ننتظر أدائها وعملها، ثم نجلس مشاهدين، وأخيرًا نقيّم الأداء الذي يغلب الظن أنّه سيكون دون المستوى المأمول لتعقيد الوضع الحاليّ، الحكومة مؤسسة مهمة ومطلوبة، وعليها الكثير من الأعباء، لكن فلينصرف كلّ منها إلى عمله، ليس العمل الذي يكدح فيه ليطعم أفراد أسرته فقط، بل العمل الذي يصبّ في خدمة الصالح العام وإدارة شؤونه.
في المناطق المحرّرة حيث تعطّلت مرافق الدولة، وجد الناس أنفسهم بحاجة إلى تسيير شؤونهم بمعزلٍ عن انتظار حكومة موعودة، لكنّ هذا لم يثمر في كثيرٍ من الأحيان إلى توليد بلديّات مدنيّة أمينة وذات كفاءة، فهناك مناطق تخضع لسيطرة مسلحين لا ثوّار، يحكمون باسم الثورة، ويفرضون إدارتهم على النّاس، وأحيانًا معتقداتهم الدينيّة!
لكن الذي يلام في مثل هذه الأحوال هم الأهالي أنفسهم، الذي يجلسون -غالبًا- منتظرين أحدًا ما، لحلّ مشاكلهم، حكومة الأسد، حكومة هيتو، مسلحين… أيّ أحد، إن إدارة بلديّة صغيرة ليس بالأمر المعقّد، ولن نعدم كفاءات أمينة، قد لا تكون على المستوى المطلوب، لكن خوض التجربة سيصقلها وينمّي مهاراتها.
لقد أسقط الأهالي ظلم الأسد وقهره وتحكمّه في الناس، أرزاقهم وميولهم السياسيّة ومعتقداتهم الدينيّة، ولن تكون أيّ جماعة مسلحة عقبة في سبيل استكمال تحقيق الحريّة، وإعادة الإدارة للمدنيين من ذوي الكفاءة.
لقد دفعت الثورة الآلاف، بل ربما عشرات الآلاف إلى الانخراط في صفوف تنظيمها وإدارتها وتسيير شؤونها والعمل على إنجاحها، طاقات كانت معطّلة، وجدت في الثورة الفرصة لإبراز ما لديها، لكن في المقابل لا يجب أن ننسى الملايين من السوريين الذين لم يقدموا ما يجب عليهم من العمل، ولا حتى بعض ما عليهم، هذه الطاقات الهائلة المهدرة هي التي يجب أن يتوجه لها الحديث، فهي التي تشكّل المجتمع في النهاية، وليس المقصد أن تساهم في الثورة، بل في ما بعدها.
إحياء المجتمع، وانخراطه في عمليّة البناء، على كلّ الأصعدة، هو الضامن لتحقيق سوريا كما يجب أن تكون، فالتحديات والمهام كبيرة جدًا، وتعجز أيّ حكومةٍ عن تلبيتها منفردة، إن الثورات تفشل عندما تتحول لحركة مطالبة وتترك ريادة الفعل والمبادرة.

تابعنا على تويتر


Top