يراودني طيف يوسف

نبيل شربجي
كلما خلوت بنفسي أستذكر يوسف عليه السلام، وأحاول أن ألهم نفسي جزءًا من صبره، إذ سُجن ظلمًا، ولكن مع ذلك قال «رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه» يوسف33، ونحن نقولها يا ربنا السجن أحب إلينا مما يدعوننا إليه طغاة قومنا، وكلما راودني طيفه أحاول أن أتلو على مسمعي -وبصمت- آيات السورة ذاتها لأستذكر قصة الأحلام التي وردت في السورة أكثر من مرة، وإذا بها وسيلتنا الوحيدة للتنفس، في ظل حرماننا حتى من لحظات تنفس، فنلجأ إلى الأحلام، ونتوسل الباري أن يزورنا أحبابنا وأصدقاؤنا ليلًا عندما يخلد حتى السكون للصمت.
ثم نحدث بعضنا عن معارف أهلينا، وما يمكن أن يكونوا فعلوا لأجلنا، وكل واحد يبحث عن «واسطة وهمية» تمسك بيده إلى النور من عتمة وظلمة الطغاة، ونطلب من كل من يحالفه القدر بالإفراج أن يذكرنا {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} يوسف42.
أما ساعات السجن التي تمر ببطء كل واحدة تجر الأخرى لتتبعها، نسعى جاهدين خلالها أن نستثمرها بعبر وعظات تعلمناها قبلًا، وأن ينقل أحدنا للآخر ما تعلم من معارف وعلوم، ونبدأ الدعوة في السجن، وبدروس لبعضنا، لينتهي كل درس «بطقطقة براغي للمعلم» لنكتشف فيما بعد أن أحد الجالسين بجوارنا أو ربما فوقنا «اسم الله من كتر مو واسع المكان» يغمز خلسة عناصر الأمن لينقل له صورة ما يجري بيننا، ثم يقطع خلوتنا صوت حارس الزنزانة «مين الكر اللي كان عم يأذّن، ومين اللي كان عم يقرأ قرآن يا عرصات يا ولاد الحرام، يا أولاد الشـ…. إذا ما بتقولوا مين هو العقوبة جماعية للكل» فنكاد ننسى مع «قصيدة السباب» والشتم ما كنا نتحدث به.
ثم نحاول أن نسرق ساعة نوم –هاد إذا لقينا مكان ننام فيه- علنا نحلم بساعة الفرج، لنقنع أنفسنا أن ما يمر بنا مرحلة مؤقتة حتى حين، وسنخرج من زنزاناتنا ليمكننا الله في الأرض ولنأخذ مكانًا لائقًا بنا تحت شمس الباري الذي أمرنا ألا نسكت لظلم أحد يريد أن يستعبدنا، ثم نقول لبعضنا ولنا في يوسف آية، إذ تبوأ بمصر منصبًا خوّله أن يشرف على خزائن الأرض، {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }يوسف 56
وكل ليلة نقرأ وردنا المسائي الممتزج بدموعنا وذكرياتنا وقلقنا على أحبابنا وما يجري خارج قضبان زنزانتنا، ولا يغيب عن مخيلتنا طيف يوسف، إذ ظهر الحق، وزهق الباطل، والتقى أهله، ليعوّضه الله عما سلف خيرًا، {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}يوسف100
دون أن ننسى أن السورة اختُتمت بنهاية سعيدة، ونزلت على النبي الكريم في عام الحزن لتداوي جراحه، وهاهي آياتها تزورنا كلما اشتدت بنا لحظات الألم واليأس، لنتوسل المولى أن تكون نهاية قصتنا كما يوسف.

تابعنا على تويتر


Top