الخلاف والاختلاف بين الواقع القدري والمطلب الشرعي

عنب بلدي – العدد 60 – الأحد 7-4-2013

أبو فهر – داريا
شاع بين وسائل الإعلام من مقروءة ومرئية ومسموعة، أن هناك فرقًا بين الخلاف والاختلاف، فأحدهما يستخدم للخلاف المقبول، والآخر للخلاف الغير مقبول الذي يؤدي إلى شقاق، وما هو الأمر كذلك، فالمصطلحان يدلان على معنى واحد، وهنا يستخدمان للتعبير عن عدم اتفاق طرفين أو أكثر في رأي أو وجهة نظر أو منهج، طالما هو في نطاق الفكر والعمل المشروع فهو مقبول، ويتحول إلى شقاق وتفرق مذموم إذا تعدى ذلك إلى اختلاف القلوب والعمل العدائي غير المشروع. وقد نبه القرآن والسنة النبوية إلى أمرين متعلقين بالاختلاف، يعدان أساسين من أسس بناء المجتمع، وإقامة الدولة، وتشييد الحضارة، أمر قدري أخبر الله به، وأمر شرعي حث عليه.4

فالاختلاف بين الناس في اللون والشكل، في المشرب والمأكل، هذا أمر خلقه وقدره الله عز وجل: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين. وقدّر عز وجل اختلاف العقول والفكر والعقائد والأديان، فترك للناس حرية اختيار معتقداتهم وكان جل وعلا قادرًا على خلقهم كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولكنه قدر اختلافهم فقال: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم. والمرء نفسه تختلف رغباته وأذواقه وأفكاره من وقت لآخر، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، يخبر في صحيح البخاري أنه إذا حلف ثم رأى خيرًا مما أقسم عليه سيكفر عن يمينه ثم يفعل الخير، واجتهادات الأنبياء والصحابة اختلفت. إن الإيمان أن أمر اختلاف الناس أمر قدري لا مفر منه، فلا يستطيع أحد أن يرفعه، ركيزة أساسية، ودعامة ضرورية ليبني عليها الأمر الآخر والذي هو مطلب شرعي عليه تقوم الأمم.

هذا المطلب الشرعي هو القبول بهذا الاختلاف، وعدم السماح لاختلاف الآراء بالتسلل إلى القلوب والتحكم بها لتوجيهها نحو الحسد والبغضاء والعداء، القصة المشهورة والتي أخرجها البخاري في صحيحه، عندما قال الرسول: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، اختلف فريقان من الصحابة في فهم الأمر النبوي، وعلم بذلك النبي، ولكنه لم يعنف أحد الفريقين، ولم يرد بتركه التعنيف أن يخبر الناس بوجود الخلاف كقدر، فذلك حدث وقضي الأمر، ولكنه أراد أن ينبه إلى مطلب شرعي مترتب على ذلك الأمر القدري وهو قبول الاختلاف وعدم تحويله إلى شقاق يودي بالأمة.
مهما وصلت درجة الاختلاف، فإنها لا تضر إذا بقيت ضمن الأطر المشروعة ولم تتحول إلى عداء، وإن وصل الاختلاف إلى التكفير، التكفير في الإسلام مزلق خطير، ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، ولكن بالنسبة للتكفير والاختلاف بين الإسلام والأديان الأخرى، فليس التكفير هو الخطر، وإنما العداء، فأمر مفروغ منه أن النصراني كافر بالنسبة للمسلم، والمسلم كافر بالنسبة للنصراني، ولكن المشكلة ليست هنا، المشكلة في ترك المطلب الشرعي بقبول الخلاف القدري، وتحويل هذا الاختلاف إلى عداء .

تابعنا على تويتر


Top