المؤامرة التاريخية

طه الرحبي

بعيدًا عن عناء البحث والتفكير، فإن كل ما يحدث للعالم العربي من تشرذم وفقر وتخلف وحروب منذ عدة قرون، مرورًا باتفاقية “سايكس بيكو” التي مرّ عليها قرن بالتمام والكمال، هو نتيجة لما يوصف بـ “مؤامرة تاريخية” أحيكت ضد هذه الشعوب، التي تلقفت هذا الشعار المؤدلج بشغف واستسلمت له وتغنت به وماتزال، بل اتخذت منه شماعة لتعلق عليه أخطاءها وحروبها وأزماتها وأمراضها.

استغلت الحكومات الشعار الهدّام على أكمل وجه، وصورت أنها مستهدفة وأن هناك من يتربص بها لسحق الشعوب وقمعها، وعلّقت عليه أسباب فشلها في كل المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وردده الببغاوات والمرتزقة ببراعة منقطعة النظير.

لقد توارثت الأنظمة الشمولية الدكتاتورية، وهي بالأصل نتاج للشعوب، الحكم تحت شعارات مختلفة ومنها “القائد الضرورة” و”صراع الوجود” و”الأمن القومي”، وعملت على ترهيب المجتمع وعزله وبرعت في إعلان حرصها على علمانية الدولة كاستغلال رخيص للأقليات، وأوهمتهم أن وجودهم مرهون ببقائها، متخلّية بذات الوقت عن واجباتها في التنمية والبناء وصون الحريات ونشر العدالة والأمن والأمان.

كما أن الأيديولوجية الدينية والطائفية والقومية المتطرفة، التي تعلن ولاءها للطائفة والعرق قبل الوطن وتتحين الفرصة للانقضاض وتمرير مشروعها، لم تأت من زحل، فقادتها وصناع التطرف هم من أبناء المجتمع الذي ساعدها على ذلك.

هذه الحالة مسؤولة عنها المجتمعات التي استهانت بدورها وفضّلت الصمت المفسد، وسمحت للأنظمة بالتدخل في أبسط خصوصيات المواطن، في حلّه وترحاله وفنه وأدبه وعلاقته مع ربه وولاءاته ليستسلم لواقعه ويتعود عليه رغم مرارته، بل تعدى الأمر ذلك إلى تقمص المواطن لشخصية تلك الأنظمة في بيته وعمله.

بكلّ تأكيد إن لـ “المؤامرة التاريخية” حقبة زمنية خاصة بها، وللأنظمة الدكتاتورية عمرًا مؤقتًا، وقد تتغير طوعًا أو كرهًا مهما طال الزمن أو قصر، والتطرف ظاهرة مرضية سرعان ما تزول، ولكن لا يمكن إلغاء كينونة الوطن الذي نتشاركه، لذا علينا عدم الاستسلام ونسيان الدور المنوط بنا، وأن ندرك أن هناك علاقة حتمية بين دور المجتمعات وبناء الأوطان.

تابعنا على تويتر


Top