الأيديولوجيون البائسون

محمد رشدي شربجي

في كتابه القيّم “الاستشراق”، يشير إدوارد سعيد إلى أن المستشرقين تعاملوا مع الشرق وسكانه كنصوص، إذ اعتبروا أن قراءة نصوص الشرق هي كافية لفهم شعوبه (لم يعتبر المستشرقون أساسًا بحسب إدوارد سعيد أن هناك شعوبًا مختلفة في الشرق كما في أوروبا)، دون الإشارة إلى أن سلوك أي مجتمع من المجتمعات تحكمه ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية، تجعله يسلك سلوكًا معينًا بغض النظر في حال كان هذا المجتمع شرقيًا أو غربيًا، ولذلك ينقل سعيد عن فولتير قوله باستحالة فهم هذه الفوضى التي نراها في المجتمع بقراءة ما تقوله الكتب فقط.

الفهم النصوصي هذا ليس حكرًا على المستشرقين بالتأكيد، بل هو موجود بيننا وفي طريقة فهمنا لبعضنا، وكثيرًا ما انتشرت، على صفحات التواصل الاجتماعي، فيديوهات لـ “علماء” من السنة والشيعة يشيرون إلى “نصوص” لدى “الآخرين”، كتبت قبل مئات السنين لتفسير سلوكهم الحالي، بعيدًا عن اعتبار سلوك الطوائف محركًا لدوافع سياسية تتعلق بإرادة القوة والسيطرة الموجودة في كل المجتمعات على السواء.

لعل المسلمين هم أكثر من عانى من هذه النظرة، خاصة مع الحملة التي رافقت صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” كعدو مشترك للعالم، باعتبار التنظيم هو الممثل الحقيقي للإسلام، وهكذا غدا “الإرهاب” سمة إسلامية سنية تغذيها “نصوص” موجودة في كتب المسلمين، الذي يطالبهم اليوم (وهم المكتوون بنيران التنظيم قبل غيرهم) عبد الفتاح السيسي وجون كيري وأدونيس، ومعه أكوام هائلة من المثقفين، بضرورة مراجعة أنفسهم والبحث عن مكامن العنف لديهم، ولكن هذا بالمقابل لا ينفي أن كثيرًا من الإسلاميين مارسوا نفس الأمر مع خصومهم بذات الوقت.

على هذا المنوال شيطن الفرقاء بعضهم لدينا في إطار أيديولوجيات متخيلة، مقسمين العالم بناء على أفكارهم، ومعتبرين أن التجمعات البشرية وسلوك الناس لا يمكن فهمه إلا من خلالهم، ثم يقسمون العالم إلى “فسطاطين” فهذا معنا والباقي ضدنا منذ الأزل ولن يريد لنا الخير ولا يمكن إلا القضاء عليه.

خلال الشهر الماضي اندلعت اشتباكات متوقعة بين جيش الإسلام، وجيش الفسطاط وفيلق الرحمن في الغوطة الشرقية، راح ضحيتها المئات وخسرت الغوطة بسببها سلة غذائها وعدة بلدات وقرى لصالح النظام السوري، ولم تفلح بالطبع مبادرات المجلس الإسلامي السوري، ولا مناشدات القرضاوي ولا عشرات المظاهرات وآلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بإقناع الفصائل الراغبة جميعًا بتطبيق الإسلام والشريعة في فسطاط المسلمين بتخفيف حدة قتل المسلمين فيما بينهم.

في ذات الوقت صرح ألدار خليل، القيادي في حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية، أن “بيشمركة روج آفا”، وهي قوات كردية سوريا دربها إقليم كردستان العراق، هم “مرتزقة” لن يسمح لهم بدخول “غرب كردستان” التي يديرها هو.

وهكذا إذن فإن الحزب الذي يزاود على الآخرين باعتباره ممثلًا للكرد، يريد أن يحرم كردًا مثله من دخول “كردستانه”، ولا داعي للقول إن التصريح ذاته لو خرج من عربي لكيلت له كل الاتهامات بالعنصرية والفاشية… إلى آخر الكلام.

بائسون هم أصحاب الأيديولوجيا، فهؤلاء سيتغاضون بالتأكيد، وهم يعيدون صياغة التاريخ، أن أقرب حلفاء مسعود برزاني، الزعيم الكردي الشهير، هو أردوغان الزعيم التركي “عدو الكرد”، وأن أقوى علاقات هذا الأخير اقتصاديًا هي مع الدولة الفارسية.

سيجدون صعوبة بالغة بإقناعنا، وهم الذين صدعوا رؤوسهم بدفاعهم عن المسلمين ضد أعدائهم “الوحوش”، أن شهوة السلطة والسيطرة (ولو على أبنية مهدمة تعلوها الحرائق) قادرة على صناعة أكثر الوحوش افتراسًا.

سينسى هؤلاء وهم يعقدون الندوات في العالم ليناقشوا “جذور وأسباب العنف الإسلامي”، أن يشيروا إلى ستين ألف شهيد في أقبية بشار الأسد “العلماني”، لن يعرض هؤلاء بالتأكيد صورًا لعصام زهر الدين بابتسامته العريضة متوسطًا الأشلاء.

لن يفعل شيئًا من هذا مستحقو الشفقة هؤلاء البائسون، الذين يعتقدون أن العالم ينتظر تصنيفاتهم حتى يجد تعريفًا لنفسه، لن يفعلوا شيئًا إلا إطلاق التصنيفات البائسة لنكتوي بنارها.

تابعنا على تويتر


Top