كالمستجير من الرمضاء

أحمد الشامي

بين الفينة واﻷخرى يبادر أحد “أقطاب” المعارضة السورية بطلب “النجدة” من “إسرائيل” ويعرض السلام على الدولة العبرية مقابل التخلص من عصابة اﻷسد!

من المفهوم أن يستنجد الغريق بمن يستطيع إنقاذه، وعلينا أن نعترف بحقيقة أن الدولة اﻷقدر على تخليص السوريين من كارثتهم هي الجار الجنوبي الذي يتمتع بمقومات الدولة القوية والراسخة وبعلاقات دولية تسمح له برمي عصابة اﻷسد في سلة المهملات في اللحظة التي يريدها.

الفرصة سانحة إذن لتحقيق “السلام”، فمن من السوريين سيعادي إسرائيل التي سوف تخلصه من نظام البراميل والكيماوي وتوقف نزف الدم السوري، السني والعلوي، وتقوم بإرساء نوع من الوصاية على الدولة السورية في إطار منظومة تعاون إقليمي وسلام دائم لصالح كل شعوب المنطقة؟

من يظن أن هذا اﻷمر مستحيل عليه أن يتذكر أن “فيتنام” قامت بخلع نظام السفاح “بول بوت”، الذي ساهم الفيتناميون في خلقه أثناء حربهم مع اﻷمريكيين. بعد خلع الطاغية ساعد الفيتناميون جيرانهم الكمبوديين على بناء دولة مستقرة ونظام تعاون إقليمي جعل من منطقتهم مركزًا اقتصاديًا مزدهرًا. هكذا طويت إلى اﻷبد صفحة العداء التاريخي بين “الخمير” الكمبوديين و”فييتنام”.

هناك سوابق في التاريخ تشهد على إمكانية طي صفحة العداء في حالات الكوارث الطبيعية أو لمصلحة الشعوب، فكم من الدماء سالت بسبب العداء بين “فرنسا” و”ألمانيا”، حتى المصالحة التاريخية بين “ديغول” و”شوبنهاور” في الخمسينيات، والتي وضعت اﻷساس للاتحاد اﻷوروبي وهو أرقى أشكال التعاون والتعايش في تاريخ البشرية.

ما الذي يمنع “إسرائيل” إذن من توجيه إنذار صريح وواضح لعصابة اﻷسد أو تدمير حوامات ومرابض مدفعية جيش الاحتلال اﻷسدي لمنعها من سفك دماء السوريين؟ وفق معرفتنا بنظام اﻷسد، فهذا اﻷخير كان سيرتعد خوفًا وسيقرر إجراء انتخابات حرة والتخلي عن السلطة طوعًا بدل أن يخرج “بالبيجاما” بعد أن “تشرشحه” قوات “جيش الدفاع اﻹسرائيلي”.

ما سر “امتناع” الدولة العبرية عن الاستفادة من هذه الفرصة السانحة للقضاء على “غريمها” الأسدي وتحقيق “حلم” السلام مع جيرانها؟

الجواب على هذا السؤال يقتضي تحطيم بعض الأساطير التي ترددها ليل نهار وسائل إعلام الممانعة من جهة والعدو الإسرائيلي من جهة أخرى.

الأسطورة الأولى هي أن “إسرائيل” تحلم باحتلال أراضي العرب و”بفرض” السلام الإسرائيلي عليهم.

“إسرائيل” ليست بحاجة لا لأراضينا القاحلة ولا حتى لحقول نفط “بني يعرب” الآيلة للنضوب، فهي لا تحتاج لأراض جديدة مع “سكان” يجب ترويضهم، ونفط العرب يأتي لإسرائيل عبر دولارات العم “سام” في كل الأحوال.

أيضًا، “إسرائيل” لا تريد أي شكل من السلام أو التعايش مع جيرانها، فالنظام السائد في الدولة العبرية منذ اغتيال “رابين” هو نظام موغل في العنصرية خاصة مع توافد الروس بكثافة إلى “أرض الميعاد”. بالنسبة “لإسرائيل” فنحن مجرد “حيوانات ناطقة” أو “بهائم”، وما من عاقل يريد “التعايش” أو “علاقة سلمية” مع من لا يعتبرهم بشرًا.

الأسطورة الثانية هي وجود “عداء” بين “محور المقاومة” ورأس حربته الأسدي و”إسرائيل”. صحيح أن هناك بعض المنافسة ما بين العدو الصهيوني والعدو الفارسي، لكن هذه المنافسة تنحصر في حصص توزيع الغنائم وفي من يسوم “البهائم” أي نحن.

بالنسبة لنظام العصابة فهذا الأخير خارج المنافسة، لأن النظام الأسدي هو وليد “النكاح الثلاثي” بين “إسرائيل” و”روسيا” و”أمريكا”، وهم الآباء الشرعيون لهذا النظام وثلاثتهم مسؤولون تمامًا كنظام العصابة عن المذبحة السنية في سوريا.

من يعتقد  بوجود خلاف بين “الأسد” و”إسرائيل” واهم، ومن يستنجد “بإسرائيل” لتنقذه من “الأسد” هو كمن يستغيث بالذئب ليخلصه من براثن جروه… كالمستجير من الرمضاء بالنار.

تابعنا على تويتر


Top