الثــورة بعــد عــــــام – د. كمال اللبواني

-بلدي-العدد-الحادي-عشر-الأحد-15-نيسان-2012.pdf-Page-1-image-1.jpg

لقد قدم الشعب السوري  أغلى  التضحيات في ثورته ضد  سلطة  الفساد والاستبداد، وأثبت  أنه  قادر على الإطاحة بكل ما يعيق تطلعه  نحو  الحرية  والكرامة. فمن حيث المبدأ لكل شعب الحق في اختيار السلطة التي تحكمه بموجب قانون يرتضيه لنفسه بحرية وتمثيل صحيح، ولكن عندما تنقلب هذه السلطة على شعبها وتعيث في البلاد فسادًا وتمعن في قتل وتعذيب المواطنين لفرض حالة الخنوع والإذعان على المجتمع، يصبح له كامل الحق في الثورة عليها ومقاومتها بكل الوسائل المتوفرة.

ومع ذلك لا ندعو لإغلاق باب الحل السلمي، لكن لا يمكننا القبول ببدء التفاوض على انتقال سلمي للسلطة نحو الديمقراطية قبل أن  يتوقف القتل والخطف والتعذيب، ويرحل رأس النظام  وعائلته، ويسلم صلاحياته لمن لا يحمل على يديه دماء الشعب السوري، على أن يرحل معه قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية المرتكبين للجرائم. وفي انتظار ذلك تستمر كل أشكال  الضغط  الداخلي والخارجي على هذا  النظام، لإجباره على قبول التغيير، أو مواجهة السقوط بالإكراه والقوة، والمثول أمام  المحاكم  المحلية والدولية.

يبقى عنصر  الضغط  الأساس في أيدينا هو  التظاهر والاضراب والعصيان المدني الشامل وصولًا للقطاع العام الحكومي وكذلك المؤسسة الأمنية والعسكرية.. لكن هذا النشاط السياسي الاحتجاجي السلمي، وبسبب رد فعل السلطات الإجرامي عليه، كان في حاجة لطلب الحماية من شبان اختاروا طريق المقاومة المسلحة بعد أن تعرضوا لكل أنواع الاضطهاد والملاحقة والتعذيب والتصفية، الذين حملوا  السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن المدنيين في مواجهة آلة القتل المتوحشة التي يستخدمها النظام. وضد السلوك الاجرامي المشهود الموثّق الممارس بشكل منهجي من قبل السلطة، خاصة بعد أن يئس الشعب من المساعدة الدولية الفاعلة في تأمين الحماية للمدنيين وتمكينهم من حقوقهم في اختيار السلطة التي تحكمهم.

بسبب سلوك السلطة المستبدة الفاسدة، وبسبب التظاهر السلمي الواسع ضدها، سقطت تباعًا سلطة الاحترام ثم الشرعية، وبتحدي القمع سقطت سلطة الخوف وسلطة المخابرات والأمن، وعملت المقاومة المسلحة على إبعاد  عصابات  الإجرام الأمنية التشبيحية عن المدنيين، ثم عملت على مساعدة  العسكريين على  التحرر من  سلطة الشبيحة والعودة لصفوف الشعب الثائر، وسعت إلى تحرير  الأرض من  سلطتهم، وتشكيل مزيج عسكري – مدني وطني سمي بالجيش الحر، عمل مع  الحراك السياسي يدًا بيد لبناء سلطة الحرية والكرامة في المناطق المحررة، ولم يبق أمام  النظام المجرم الحاقد على شعبه، سوى استخدام القوة العسكرية المفرطة الثقيلة في محاولة لاسترداد الأرض وفرض سلطة الخنوع والإذعان بواسطة التدمير والقصف والتهجير والإبادة. مستخدمًا كل الآلة العسكرية التي راكمها طيلة عقود، ومستعينًا بكل حلفائه في محور الشر والجريمة والفساد والاستبداد في الداخل وفي الخارج. وبذلك تحولت سلطته إلى مجرد سلطة احتلال عسكري مجرم مدان وعميل للأعداء، توجد هذه السلطة فقط حيث توجد الدبابة والمدفع.. وترحل برحيلها..

فإذا استطاعت المقاومة الشعبية تحرير الجنود وقطعات الجيش من تحكم هذه السلطة، أو تعطيل آلياتها  الثقيلة، سقطت آخر معاقل السلطة وانهار النظام المبني على الترهيب والإجرام. لذلك نرى أن  المعركة الآن تتطلب تكثيف الدعم  للمقاومة الشعبية المسلحة، عبر تزويدها بالسلاح الكفيل بتعطيل الآلة العسكرية التي تجتاح المدن والقرى تباعًا. ونعتبر أن الخوف من تقديم هذا السلاح للمقاومة غير مبرر، بسبب وجود كميات كبيرة من كل أصناف الأسلحة أصلًا بيد النظام والتي وزع قسم كبير منها على المجرمين والشبيحة وكل أنواع العصابات التابعة له وغير التابعة التي حصلت على كل ما تريد من سوق مفتوحة للمافيات وتجار السلاح، والوحيد الذي بقي من دون سلاح هم الشباب الوطني الحر الملتزمون بالوطن وبالشعب، والذين يذبحون في كل حي وشارع، ولا يجدون وسيلةً للدفاع عن عائلاتهم وأطفالهم. فالنظام يحصل على كل أنواع الأسلحة من دول عظمى والعصابات كذلك. لكن الشعب وحده يحرم من حقه في تشكيل توازن قوة ضروري لوقف عمليات الابادة والتطهير.

فالخوف من حرب أهلية لا يبدد بمنع السلاح عن الشعب وعن المقاومة، بل بالعكس بتشكيل نوع من التوازن الضروري للجم الوحشية المفرطة للنظام الذي يتمتع بالقوة منفردًا ويخوض حرب تطهير وابادة، والسياسات الغبية هي التي تظن أن ما يحدث ليس حربًا ضد الانسان والانسانية وليس أخطر من أي شيء آخر ويفوق كل تصور، أو أن حقوق الانسان فقط في المقاومة السلمية، وليست المقاومة المسلحة أيضًا عندما تفشل المقاومة السلمية. لأن السلمية عندها تعني رخصة قتل للمجرم وإفساح في المجال أمام التمادي في الجريمة، فمن غير المنطقي أن نحاول إقناع المجرم من دون امتلاك قوة إلزام تجبره، إن مشاهد التعذيب الوحشي والإعدامات والتشويه التي تتوارد من الداخل والمرتكبة من قبل عصابات حاقدة مجنونة فاقت في وحشيتها كل ما سبقها.. تؤجج عند كل إنسان وصاحب ضمير رغبة عارمة بوضع حد لما يجري بالقوة والقتال، وإلا سوف نكون شركاء في الجريمة بسبب امتناعنا عن تأدية واجبنا الإنساني تجاه بني جنسنا فما بالكم بمواطنينا، نعم نحن نعلن أننا لنا الحق الكامل في قتال هذا النظام المجرم حتى إزالته من الوجود، ولا نقبل أي منطق يمنعنا من هذا الحق، ولا يمكننا تحمل المزيد من الجرائم التي ترتكب بحق شبعنا الذي نتحمل مسؤولية كاملة تجاهه كسياسيين نذروا  أنفسهم لخدمته.

إن التدخل الخارجي السافر قائم على قدم وساق وكل أشكال الدعم تأتي للنظام من أسلحة وتجهيزات واقتصاد ومال وخبرات ورجال وضباط أجانب يقودون العمليات العسكرية والأمنية.. والمجتمع الدولي عاجز عن  القيام بمسؤولياته في حماية الشعب الذي يذبح على عين ومسمع كل العالم، وعاجز عن تمكنيه من حقه في تقرير مصيره وانتخاب السلطة التي تمثله وتحكمه، وهذا في نهاية المطاف هو الطريق الوحيد لإعادة السلم الاجتماعي والاستقرار للبلاد (أي تنظيم انتخابات حرة بإشراف دولي محايد). لذلك نحن نرحب بكل أشكال الضغط الخارجي على النظام، ونرحب بأي وسيلة تستعمل لإضعافه بل تدميره.

ونرى أن المعارضة الحقيقية هي الشعب السوري بهيئته العامة وهي معارضة موحدة ضد الاستبداد والفساد والإجرام، وهي التي ترغب في الخلاص والانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية حديثة تحترم حقوق مواطنيها وكرامتهم.. أما المعارضة السياسية في الخارج التي تحاول تمثيل الشعب، فهي تبقى تابعا للشعب وتعمل بأمرته وليست بديلًا عنه بل شرعيتها تأتي منه أولًا ومن تلبية طموحاته والتعبير عن رغباته وتحقيق أهداف ثورته.. وعملية توحيد هذه المعارضة في مجموعة أيديولوجية ذات رأي واحد غير ممكنة، لكن وحدتها على وثيقة دستورية سياسية وبرنامج عمل وطني، هو شيء ضروري، وهذا لا ينتج إلا عن ممارسة الديمقراطية الحقيقية داخل كل خيمة تحتوي المعارضة، ونحن نضع مسؤولية انقسام هذه المعارضة على من توهم تمثيل الشعب السوري من دون انتخابات، أو من عملوا على تشكيل المجلس الوطني من دون معايير سياسية، وتغاضوا عن غياب الديمقراطية والعمل المؤسسي داخله، أو من عرقل وما يزال كل عملية إصلاح وهيكلة وتفعيل وانتخاب فيه، وأراد الهيمنة عليه بالاعتماد على حلقة أوليغارشية داخله تحتكر القرار وتهمش الآخرين وتستبعدهم عن ساحة الفعل والمشاركة.. مما شكل انحرافًا عن أهداف الثورة في الديمقراطية، كما شكل التدخل الخارجي الفظ في شؤون المعارضة، إهانة للشعب السوري وللتاريخ النضالي لرموز المعارضة التي وجدت نفسها خارج ساحة الفعل والتمثيل.

وعملية الاصلاح وإعادة الهيكلة لا تكون في توسيع المجلس أو الحلقة الأوليغارشية فيه، مع الإبقاء على طريقته القديمة، ولا في تقاسم جديد للحصص داخله، مع الاحتفاظ في الخطأ القديم، الذي تسبب في عجز المجلس وفشله.. بل إن الطريق لتصحيح وتوحيد المعارضة وتفعيلها، هو في اعتماد معايير وآليات واضحة لاختيار أعضاء المجلس، وبسبب عدم إمكانية استفتاء الداخل، وغياب التنظيمات السياسية من الحياة السياسية الداخلية طيلة عقود. يبقى المعيار الأهم هو التاريخ النضالي قبل اندلاع الثورة حيث كان الامتحان الحقيقي والطبيعي.. والعنصر الثاني في الإصلاح هو في إعادة الاعتبار لقيم الديمقراطية، وفصل السلطات التمثيلية عن التنفيذية، ووضع آلية عمل مؤسسية ورقابة وتداول حقيقي داخله.. ومن ثم تشكيل (ليس مجلس تمثيل للشعب السوري) بل جمعية وطنية انتقالية، تنتخب أمانة عامة بعدد محدد غير فضفاض،  تنتخب بدورها مجلس رئاسة ..وتقر إعلانًا دستوريًا ملزمًا، ونظامًا داخليًا واضحًا.

وعملاً بمبدأ فصل السلطات تقوم الأمانة العامة بالإشراف على تشكيل حكومة مؤقتة في المنفى، تضم هذه الحكومة وتنظم كل الفعاليات التنفيذية التابعة للثورة، وتكون مسؤولة عن القيادة والتحكم والتنفيذ بمنهج موحد، وكذلك عن عملية جمع التبرعات والإغاثة وإيصالها، وبشكل خاص ما يتعلق بالجيش الحر، أو المقاومة تنظيمًا وتسليحًا، ومن ثم سلوكًا، وتكون مسؤولة عن كل نشاط المقاومة المسلحة من أجل حماية المدنيين، أو تحرير سوريا، أو حتى حفظ الأمن ومنع الانتقام وحماية  السلم الأهلي والعيش المشترك، في اليوم  التالي لسقوط  النظام إن شاء الله.

مبادرة عنان ككل المبادرات الأخرى محكومة بالفشل بسبب غياب آليات التنفيذ والإلزام، وهي محاولة، هدف منها الغرب إحراج الروس، وهدف منها النظام كسب الوقت، وقد أعطى مؤتمر استانبول فرصة أخيرة للنظام للقبول بالحل السلمي.. لكن الفرصة المتاحة لنجاح الحل السلمي محدودة جدًا.. وسوف يعقبها تطور نوعي في الموقف الخارجي وبالتالي الداخلي، لذلك يجب علينا أن نستعد لمواجهة صعبة وتدخلات دولية كثيرة  بالوساطة وليس بشكل مباشر، وسوف تكون سوريا ساحة صراع للغير، فالكل يخاف من التصادم المباشر.. وستكون فترة من الفوضى والتفكك، فالنظام كما هو واضح لن ينهار من دون انهيار الدولة كلها، وهو يعمل كل ما يستطيع لتدمير الدولة والشعب والجيش وكل شيء، في مسعاه للإفلات من العقاب، حتى لو عبر تقسيم البلاد وإقامة كيانات طائفية، والمعركة الفاصلة معه هي معركة عسكرية أساسًا وفي كل المناطق السورية، لكن الحاسمة منها ستكون في دمشق وريفها والتي يجب الاستعداد الكامل لها، ومفتاح النصر يكمن في قدرتنا على تحرير الجنود والقطعات العسكرية من سلطة الشبيحة..

من جهتنا سوف نستمر في النضال، ونعلم أن المعركة طويلة وأن العودة للوراء مستحيلة. ونحن نتوكل على الله أولاً ومن بعده الشعب الأبي البطل.. العزيمة موجودة.. والشباب مستعد.. وننتظر من أصدقاء الشعب السوري تقديم المساعدة…

وسوف ننتصر بإذن الله..

تابعنا على تويتر


Top