الصحافة الورقية الجديدة.. طفرة ما بعد الثورة

1465.jpg

صحف ومجلات سورية - عنب بلدي.

بعد أشهر من اندلاع الثورة، برزت ظاهرة التنسيقيات والصفحات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أخذت بالانتشار بشكل مطّرد مع انضمام مدن وبلدات جديدة إلى الحراك، فأصبحت لكل بلدة أو ناحية تنسيقية إعلامية خاصة بها، تنقل الأحداث من موقعها.

هذه الظاهرة سرعان ما أخذت أشكالًا أكثر جدية ومهنية، من حيث الشكل على الأقل، فتحولت المناشير التي كانت توزعها التنسيقيات ومجموعات العمل المدني والسياسي إلى منشورات دورية، وبدأ الناشطون ينظمون أفكارهم وتدويناتهم وينقلونها من شبكة الإنترنت إلى الورق.

وتخطى عدد الوسائل الإعلامية التي ظهرت خلال السنوات الخمس حاجز الـ 400، بين جرائد ومجلات وإذاعات ومحطات تلفزيونية ومواقع إلكترونية، وذلك انعكاس واضح لمدى الانفتاح والرغبة في التعبير، بعد كبت طال نصف قرن تقريبًا.

تشير دراسة عن “الصحافة السورية الجديدة” أجرتها الباحثة الفرنسية “سوازييك دوليه” لصالح منظمة CFI ونشرتها صيف العام الماضي، أن المطبوعات السورية التي بدأت منتصف العام 2012 لم تتجاوز العشرين، بينما فقزت في السنوات الثلاث التالية (2012، 2013، 2014) لتتجاوز الـ 250 بالمجمل، بالتزامن مع توقف عدد كبير منها بعد فترات قصيرة من صدورها.

وتشير إحصائيات موقع “أرشيف المطبوعات السورية”، الذي يختص بأرشفة ونشر الصحف السورية الجديدة، إلى أن العام 2011 شهد صدور 20 صحيفة (جريدة ومجلة)، بينما شهد العام 2012 صدور  111 صحيفة، و111 صحيفة أخرى في العام 2013، بينما صدر في العام 2014، 35 صحيفة، و15 صحيفة في العام 2015، أما في العام 2016 فلم تصدر حتى الآن سوى صحيفة واحدة جديدة.

وصدرت هذه المطبوعات بدوريات مختلفة، 68 منها أسبوعية، و75 نصف شهرية، و83 بشكل شهري. وبلغ مجموع الصحف حتى أيار الحالي 295 صحيفة، توقف معظمها وبقيت 55 منها فقط تصدر حتى الآن بشكل منتظم.

وتنوعت الصحف في توجهاتها، بين السياسية، والفكرية، والدينية، ومنها ما تخصص بالمرأة والمجتمع، وأخرى موجهة للأطفال.

تراجع انتظام إصدار الصحف وتوقف معظمها يعزى لأسباب عديدة، منها غياب الرؤية الشاملة لعمل هذه المؤسسات الوليدة، وغموض أهدافها، وعدم وجود خطط استدامة لديها، فضلًا عن غياب الكفاءات الإدارية والأكاديمية والمهنية المتخصصة في الإعلام والنشر، ويبقى السبب الأبرز غياب التمويل.

34

يزن يغن، معد ومقدم برامج في راديو نسائم سوريا (عنب بلدي).

ويصف المعد والمقدم في إذاعة نسائم سوريا، يزن يغن، الحالة التي وصلت إليها وسائل الإعلام الجديد لجهة الديمومة والقدرة على الاستمرار بـ”الكارثي”، قائلًا “أن تتكلم حاليًا عن وجود عدد كبير من الوسائل الإعلامية بين راديو وتلفزيون وصحيفة، وألا يتجاوز عدد القادرين على الاستمرار النسبة الأكبر، فإننا أمام كارثة، علمًا أن الجميع يملك نفس الإمكانيات المادية، ونفس المستويات من التدريب والتأهيل”.


خبير: غياب الأكاديميين عن التجربة ميزة وليس عيبًا

أحجم عدد كبير من الصحفيين الأكاديميين عن العمل في الإعلام الجديد منذ نشأته، تاركين الساحة مفتوحة للناشطين، لخوض غمار العمل الإعلامي على تنوع أشكاله، “كان الناشط يتصدر المشهد بالقدرة على الوصول للحدث ونقله، وعندما كان الصحفي الأكاديمي يرغب بالمساعدة في تطوير هذا المنتج، كان الناشط يشعر بأن هذا الأكاديمي يريد ابتلاعه، كونه يملك الخبرة والمعرفة أكثر من الناشط، وبالتالي سيأخذ منه الميزة بالوصول لوسائل إعلام عالمية، وهذا خلق رد فعل سلبيًا عند الأكاديميين”، يقول عبسي سميسم، رئيس تحرير جريدة صدى الشام، وهو واحد من الصحفيين القلائل الذين امتهنوا الصحافة قبل الثورة، وانخرطوا سريعًا في الصحافة الجديدة.

لكن من جانب آخر، تعامل عدد كبير من الأكاديميين، وخصوصًا الذين غادروا سوريا وبدؤوا العمل في مؤسسات عربية وعالمية، بـ “استعلاء وفوقية” مع إعلام الناشطين، كونهم غير مؤهلين علميًا، ومع مرور الوقت اتسعت هذه الفجوة وبدأت تزداد بين الطرفين. يضيف سميسم “بدأت تصدر الأحكام العامة دون أدلة بحق الطرفيين، بأن هذا الإعلام سيئ أو جيد، وأنه يساهم بتقسيم البلد.. كانت أحكام شوارعية”. وكانت هذه التقييمات في الغالب مرتبطة بعلاقة الصحفيين بمن يدير هذه المؤسسات، فإن كانت العلاقة جيدة وصفوا أداء المؤسسة ومنتجها بـ “الجيد”، والعكس صحيح.

منى فرج، مدرسة في جامعة القاهرة - عنب بلدي.

منى فرج، مدرسة في جامعة القاهرة – عنب بلدي.

تصف الدكتورة منى فرج، المدرّسة في كلية الإعلام في جامعة القاهرة، والتي عملت، منذ نشوء الإعلام السوري الجديد، مع الناشطين والصحفيين السوريين عن قرب، كمستشارة لواحدة من أهم المنظمات الأوروبية لدعم الإعلام (FPU)، تصف التجربة الإعلامية السورية الجديدة بأنها “خالية بشكل كبير من الأكاديميين”، وبرأيها “كانت هذه ميزة أكثر منها عيبًا”، وبحكم تجربتها الأكاديمية تقول إن هناك دائمًا خلاف و”صراع أجيال” بين الأكاديمي والممارس، على اعتبار أن الأول ينظر للآخر أنه شخص غير دارس ولا يملك المعرفة التي تجعله ينطلق بشكل سليم، وفي المقابل يرى الممارس أن الأكاديمي يقبع في برج عاجي تحكمه الكتب والنظريات بعيدًا عن الواقع”، لكن التجربة السورية الجديدة “نجحت وخرجت من براثن هذا القالب”، وتمكنت من المواءمة بين العنصرين، على حد قولها.

تعترف فرج بأن هناك فجوة بين الأكاديمي والممارس في الحالة السورية، وكان الجمع بين العنصرين “أمرًا صعبًا”، ومن امتلكهما في الإعلام السوري “أشخاص نادرون”، لكن “التجربة بكل ما فيها من تلقائية وحماس واندفاع نقّت نفسها بنفسها، وشكلت مع مرور الوقت ملامح خاصة بها واعتمدت على النموذج الناجح”، وتضيف فرج “التجربة الآن لا ينقصها أكاديميون، على الأقل في مرحلة الولادة، ويمكن التعاون معهم في المستقبل من أجل ردم الفجوة”.

تضخّم “أنا” الناشطين و”فوقية” الأكاديميين

شهد الإعلام السوري الجديد، حضور ثلاثة نماذج من الإعلاميين المواكبين للثورة، الصحفي الأكاديمي، والصحفي الممارس (الناشط) المالك لأدوات العمل الصحفي، والمواطن العادي (المواطن الصحفي). وعمل هؤلاء، في ظل التعتيم الذي فرضه النظام على الواقع السوري ومنع الكوادر الإعلامية من العمل واستهدافها مباشرةً، على نقل صورة الأحداث السورية إلى العالم، فظهروا على كبريات الشاشات العالمية، وكان بعضهم مراسلًا ومصورًا ميدانيًا لأشهر الصحف ووكالات الأنباء العالمية. وفي الوقت الذي اعتبرها هؤلاء ميزة، كان بعضهم يسهم بشكل لا إرادي في تدهور الإعلام السوري، بسبب نقص الخبرة.

ويعزو الصحفي عبسي سميسم هذه النتيجة إلى “تضخم الأنا” عند بعض الناشطين نتيجة ظهورهم على القنوات، “أعطتهم إحساسًا أنهم امتلكوا كل أدوات العمل الصحفي، وتضخمت الأنا لديهم، ومع الوقت سقطوا جميعًا ولم يستمر منهم إلا القليل، والذي استمر هو من طور أدواته بشكل صحيح”.

لكن سميسم يعتبر في الوقت نفسه أن خمس سنوات من العمل في ظل الثورة تعادل الدراسة الأكاديمية في جامعة أو معهد متخصص، وهي نفس فترة الدراسة الأكاديمية. يضيف “الثورة خرّجت صحفيين يحق لهم العمل في المجال، وخاصة أنهم خضعوا لدورات تدريب مع منظمات دولية، مقابل بقاء بعض الصحفيين الذين مايزالون يعملون في صحافة النظام في نفس المستوى المهني كما كانوا قبل الثورة، دون أي تطور، لعدم الاحتكاك بالخبرات العالمية”، وينظرون بفوقية واستعلاء للإعلام الجديد.

لا يخالف المدرب والمستشار الإعلامي المصري، ياسر الزيات، وهو الإعلامي المعروف في أوساط الصحفيين السوريين في الإعلام الجديد، رؤية كل من الدكتورة فرج والصحفي سميسم، وهو يرفض بالمطلق العودة إلى فكرة التقسيمات (صحفي أكاديمي وناشط ممارس)، لأن هذا النهج تلجأ إليه الأنظمة الشمولية عادةً عندما تريد استبعاد طرف من اللعبة أو تفضيل فصيل على آخر، ويرى الزيات في مقابلة أجرتها معه عنب بلدي، “أننا في زمن أصبح فيه كل من يمتلك جهاز تلفون صحفيًا، وإذا لم نعترف سنقع في مأزق، الصحفي هو من ينقل الحدث، وعند الحديث عن الصحافة كصناعة نحن أمام أمر مختلف، هنا قواعد وأخلاقيات متعارف عليها دوليًا، وبالتالي يجب ألا نعود لفكرة التقسيمات لتقسيم الصحفيين ويجب عدم الوقوع في هذا الفخ”، داعيًا إلى النظر في مستقبل الصحافة المرتبط بالتكنولوجيا أكثر من ارتباطه بالصحفي نفسه.

عداوة الكار بين الأكاديمي والممارس

مقاربة مختلفة في الفرق بين “الصحفي الأكاديمي، والناشط الإعلامي”، يسوقها مدير مركز حلب الإعلامي (AMC)، الصحفي يوسف صدّيق، ويؤكد على وجود “عداوة كار” بين الأكاديمي الذي لا يستطيع تأمين فرص العمل، والناشط الذي دخل غمار الإعلام وبرز وأصبح أشهر من الصحفيين التقليديين، وكان منتجه أفضل، مقابل وجود منتج رديء لا يمكن اعتباره مادة إعلامية، لأنه أنتج بأساليب جديدة غير منتظمة.

ويلتمس صدّيق لهذا الخلط عذرًا يراه مبررًا، بأن “الثورة في الواقع هي فكر جديد وطريقة جديدة في طرح كل الأفكار، الإعلام كان له دور بارز في ذلك”، مشيرًا إلى أن دخول الناشطين “لم يكن ترفًا”، بل كان حاجة كبيرة بسبب غياب وسائل الإعلام الكبرى المؤثرة، والتي غاب معها الأكاديميون، وأمام هذا الواقع دخل الناشطون الإعلاميون، لكن القول بأنهم “خربوا”، وأن الأكاديميين انسحبوا “غير صحيح بالمجمل”.

روح “التنسيقية” تسيطر على رسائل الإعلام الجديد

وسط حالة الجدال بين الناشط الممارس والصحفي المحترف، سار إعلام سوريا الجديد منذ السنوات الأولى للثورة، وبقي المنتج المقدم عبر الوسائل الإعلامية منقوصًا، يعتمد في أغلب محتواه على الأخبار الميدانية، مع إفراده حيزًا للمشكلات الاجتماعية، وأحيانًا الاقتصادية، وغاب عنه الغوص في التحليلات والعمل على ما وراء الخبر. إذن بقيت “روح التنسيقية” وفكر الناشط هما المسيطران إلى وقت قريب، وهو ما منع تطور هذه المؤسسات، واقتصر اعتمادها لدى الجمهور كمصدر أولي للمعلومات على حدوده الدنيا، بحكم ارتباطها المباشر بالحدث سوري، وكان سبب ذلك نقص الخبرات والكفاءات المتخصصة في هذا المجال، كما يقول محللون وخبراء إعلاميون قابلتهم عنب بلدي.

التجربة القائمة على جهود فردية بالمجمل، لم تكن تنظر بعمق إلى مفهوم العمل الإعلامي، إذ لم يتح للناشطين الإعلاميين والمؤسسين أن يفكروا بـ”صوت مرتفع” حول ما يقدمونه، نظرًا لحداثة الفكرة، وسرعة التطورات المواكبة، وعدم وجود مرجعية تساعدهم على اتخاذ القرار، في وقت هم بأمس الحاجة إلى مستشارين ومشرفين، ومظلة جامعة، على اختلاف التسميات، سواء نقابة صحفيين أو جمعية أو غير ذلك.

تابع قراءة ملف: الإعلام “البديل” في “الغربال”.. تحسّس رؤوس مع انطفاء بريق الداعمين

الصحافة الورقية الجديدة.. طفرة ما بعد الثورة

هل مؤسسات الإعلام الجديد “غير وطنية”؟

دور الإعلام السوري الجديد “ملتبس”

“إعلام جديد” مقابل تنظيم “داعش” والنظام

الإعلام السوري الجديد في “غربال” المنظمات الداعمة

منظمات دولية دعمت الإعلام السوري الجديد

تأثير في مناطق المعارضة.. وغياب عن “مناطق النظام”

درعا.. تجارب إعلامية محلية تشوبها “المناطقية” وتنقصها الخبرات

“حلب اليوم” تلفزيون “ثوري”.. ينقد الثورة

الإذاعات السورية.. صراع من أجل البقاء ومسيرة يعرقلها “مزاج الداعم”

مرحلة “تحسس” رؤوس.. هل يستمر الإعلام الجديد؟

تجربة شبكة أبراج.. الأولوية “ليست للعمل الجماعي

تجارب إعلامية تتأسس في الحسكة بعد ارتخاء قبضة النظام

“شام”.. أقدم شبكة إعلامية في الثورة بدون تمويل

استمرارية الإعلام السوري الجديد على المحك

ناشطون: الإعلام الجديد.. يشبه كل السوريين “الأحرار”

تطور آليات التوظيف في المؤسسات الإعلامية الجديدة

الوضع القانوني شرط أساسي لاستدامة المؤسسات

 تجارب جديدة في التمويل الذاتي.. “التفكير خارج الصندوق”

شبكات ومجموعات عمل للنهوض بالمؤسسات الإعلامية إداريًا وتنظيميًا

إعلاميون: “الإعلام الجديد” سيقود القاطرة في سوريا

لقراءة الملف كاملًا في صفحة واحدة: الإعلام “البديل” في “الغربال”.. تحسّس رؤوس مع انطفاء بريق الداعمين

تابعنا على تويتر


Top