عندما يكون الأمل أشد وطأة من الموت..

مصير مجهول لعائلات كاملة في عدرا نزحت من الغوطة الشرقية

maxresdefault1.jpg

عائلات في بلدة عدرا الصناعة بجانب عربة لقوات الأسد 29 كانون الأول 2013 (AFP)

الباسل تادروس – الغوطة الشرقية

لم يفقد رياض أمله بعد في سماع أي خبر حول مصير عائلته المختفية منذ أكثر من عامين، وذلك عقب نزوحها من مدينة دوما، واستقرارها في غرفة صغيرة تابعة لأحد المعامل بمنطقة عدرا الصناعية، هربًا من الموت الذي تلقف حياة الآلاف من أهالي الغوطة الشرقية المحاصرة بريف دمشق.

عندما حاولت الاتصال بأهلي كي أطمئن عليهم تفاجأت كثيرًا، لأن امرأة أجابتني عوضًا عن والدي، الذي اضطر إلى النزوح بسبب المعارك والقصف، متجهًا مع عائلتي نحو منطقة عدرا الصناعية، يقول رياض، أحد شباب مدينة دوما، ممن حملوا السلاح في وجه النظام السوري لما يعتبرونه “دفاعًا عن المدينة الأم”.

لا أعلم أين هي عائلتي، البعض أخبرنا أن العائلات التي كانت تقيم في المصنع اعتقلت وأخذت إلى مكان مجهول، بينما أكد آخرون أن النظام اقتاد بعض العائلات الموجودة هناك، كدروع بشرية، يضيف رياض متأثرًا بالحادثة.

هربَ من الموت.. وعاد خشية الاعتقال

في آب 2012، وقبيل اشتداد القصف على دوما في الغوطة الشرقية من قبل النظام السوري، هجرت عائلة “أبو رياض” منزلها الكائن في المدينة متوجهة نحو منطقة عدرا المجاورة لها.

كانت العائلة مؤلفة من “أبو رياض” وزوجته وطفلين لم يتجاوزا العاشرة بعد، بالإضافة إلى رياض، الذي عاد بطلب من أبيه بعد أشهر قليلة إلى مدينة دوما مجددًا، خشية من حملات اعتقال عشوائي، كانت تشنها قوات النظام السوري آنذاك، خاصة وأنه كان بعمر 18 عامًا، ما يعني أنه قد يعتقل بهدف التجنيد في الجيش النظامي.

يقول رياض، الذي أتمّ دراسته في المرحلة الثانوية ولم يدخل الجامعة، بعد تحرير دوما، رجعت إلى المدينة وانضممت إلى فصائل الثوار، في مواجهة النظام، الذي فرض على كامل الغوطة الشرقية حصارًا خانقًا حتى هذه اللحظة”.

كنا تقريبًا من أوائل العائلات التي انتقلت إلى مصنع مهجور، في منطقة عدرا الصناعية، فأخذنا غرفة داخل المعمل وأقمنا فيها، ومع توافد العائلات لاحقًا نتيجة القصف، في تشرين الأول 2012، سرعان ما امتلأت الغرف جميعها، وأصبح الوافدون الجدد بعدها يشيّدون خيمًا صغيرة كانت عبارة عن شوادر قماشية، نُصبت في أرض المعمل الخارجية، يسرد رياض تفاصيل رحلة عائلته التي بقي على اتصالٍ دائمٍ بها، قبل أن يفقده نهائيًا حين حاصرت قوات الأسد مدينة عدرا بالكامل.

“في المرات الأخيرة التي كنت أتحدث فيها مع أبي، أخبرني أن بعض العناصر من الجيش والأمن اقتحموا المنطقة بما فيها المصنع نفسه، وقاموا باعتقال بعض الرجال وجلهم من سكان الغوطة الشرقية”، ويؤكّد الشاب “بعد ذلك فرض النظام السوري حصارًا كاملًا على عدرا، وقطعت كافة الاتصالات، ولم أعد أستطيع التواصل مع أهلي على الإطلاق”.

دروع بشرية ومقابر جماعية في عدرا

بداية عام 2014، شنّ “الثوار” هجومًا مضادًا على قوات النظام وحواجزه الموجودة في منطقة عدرا واستطاعوا السيطرة عليها بالكامل في آذار من العام ذاته، بعد معارك عنيفة، كما يروي رياض، والذي كان ضمن القوات المشاركة في العملية بعد تحرير عدرا، توجهت مع بعض رفاقي إلى المنطقة، حيث المصنع الذي يسكن فيه أهلي، ولكني لم أجد شيئًا على الإطلاق، فقد كان المصنع عبارة عن كتلة سوداء متفحمة“.

تملّك صوت رياض رعشة خفيفة وهو يقول “بعد يومين تقريبًا وجدنا مقبرتين جماعيتين، ضمت رجالًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا، وقد مثل ونكّل ببعض الجثث التي كانت مقطعة الأطراف. بذلت مجهودًا كبيرًا في التعرف على أصحابها، إلا أني لم أستطع تمييز أي شخص كنت أعرفه”.

حاولت البحث كثيرًا ولكن دون جدوى، لم أجد أي أثرٍ لهم، فرجعت بعدها إلى دوما وأنا منهار تمامًا، دون معرفة أي شيء حول مصير عائلتي“.

تلقى الشاب بعد ذلك بعض الأخبار التي تفيد بأن قوات النظام، بالإضافة لاعتقال البعض وإعدام البعض الآخر من المدنيين، اقتادت بعض العائلات من سكان الغوطة الشرقية كدروعٍ بشرية “انتقامًا من هجمات الثوار”، قبيل تمكّنها من “تحرير” المنطقة، بحسب تعبيره.

“أخبرني مقاتلون أنهم رأوا بعض العائلات من رجال ونساء وأطفال، وقد اقتيدوا كدروع بشرية، أثناء انسحاب قوات النظام من المنطقة”، يؤكد رياض.

مصيرٌ مجهول، وهاتف العائلة بيد امرأة من الساحل

لم يتوقف الشاب عن البحث والتقصي حول مصير عائلته، لدى عودته إلى مدينة دوما، فظل يحاول مرارًا الحصول على أي معلومات من شأنها أن تكشف الحال التي آلت إليها عائلته، إلا أن جميع الأخبار التي كان يتلقفها ملهوفًا، لم تكن تحمل أي حقيقة مؤكدة على الإطلاق.

“بعد حوالي شهر تقريبًا حاولت الاتصال برقم أبي، ولكني تفاجأت كثيرًا، لدى سماعي صوت امرأة تتحدث بلهجة أهل الساحل”، يقول رياض مستغربًا، قبل أن يضيف أخيرًا “عند سؤالها عن صاحب هذا الرقم لم تجب بشيء، بل قامت بشتمي وطلبت مني عدم الاتصال بهذا الرقم مرة أخرى”.

لا توجد إحصائيات حقوقية دقيقة حول عدد العائلات المغيّبة، لكن كلا الطرفين (الجيش الحر والنظامي) يتبادلان اتهامات باستخدام سكان عدرا والنازحين إليها دروعًا بشرية، ومايزال مصير بعض العوائل من سكان الغوطة الشرقية النازحين، ومن بينها عائلة “أبو رياض”، مجهولًا حتى هذه اللحظة.

تابعنا على تويتر


Top