أطفال العدية إبداع من رحم الألم

عنب بلدي – العدد 61 – الأحد 21-4-2013

سهى الأسعد – حمص
«من رحم الألم، يولد الإبداع» كلماتٌ طالما ترددت على مسامعي لكني لم أفقه حقيقتها إلا بعد رؤية أطفالك حمص «العدية»، أطفال لم تزدهم آلة القتل إلا إرادةً ولم تزدهم مناظر الدمار إلا طموحًا، جعلوني أخجل من نفسي أمام جرأتهم وإبداعهم ..
أطفال هجروا منازلهم تحت القصف لكن – رغم ذلك – أصرّوا على أن يُخرِجوا معهم أحلامهم وألا يتركوها تموت مع بقايا الركام .6
«دخلت منذ أسابيع إلى إحدى المدارس التي تغص بالمهاجرين من أحياءٍ أخرى، وجدتُ في باحتها دائرةً كبيرة من الناس ينظرون بشغفٍ إلى داخل الدائرة ويشاهدون باهتمام ما يجري، أثارني الفضول كثيرًا، فما هذا الذي يحدث داخل الدائرة ويثير اهتمامهم إلى هذا الحدّ. اقتربتُ أكثر فشاهدتُ في الوسط طفلاً وطفلةً يقدمون عرضًا مسرحيًا لأطفال المدرسة عن النحلة مع رقصةٍ طفوليّةٍ رائعة « هكذا حدثتنا سلمى، إحدى المدربات في مدارس النازحين.
ربّما كانت الفكرة بسيطةً، لكنّ طريقة أداء الأطفال، وكلماتهم المعبرة، وحركاتهم البريئة الواعية في آنٍ واحد جعلتني «أنسجم مع العرض تمامًا».
ثمّ غادرت عيناي العرض قليلاً لأنظر إلى ملابس هذين الممثلين الصغيرين فإذا بي أرى طفلاً دون حذاء وطفلةً ترتدي ملابسَ قديمة بالية ليست أقلَ بؤسًا من منزلهم الذي أصبح أرضًا .هكذا يصنعون البسمة من قلب الدمعة. يمتلكون من المواهب والقدرات الكثير لكن يحتاجون فقط لمن ينمّيها ويرعاها.
ويروي أحد الناشطين أنه حينما هجر أهالي باباعمرو مدينتهم «للمرة الألف»، خرجوا يسيرون هذه المرة في الشوارع لا يعرفون أين يتّجهون ولا أيّ مصيرٍ ينتظرهم، كان هناك طفل لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره يحمل على ظهره حقيبةً فإذا تعب حملَها في حضنه وضمّها بين ذراعيه. حقيبته التي تحوي كتبه، وقال: «أريد أن أكمل تعليمي أينما ذهبتُ، لأني «سأنصر بلدي وأعيد بناءه بعلمي».
أما محمّد، الطفل النازح في المجمّع الشرعي، كان قد وعَد بأن يحافظ على صلاته وأن لا يترك دراسته في المشروع التعليمي وبأن يواصل مهنة البائع المتجول بهمّة أعلى، وألا يعتمد إلّا على نفسه ليؤمن حاجات أفراد أسرته كي لا يحتاجوا مساعدة أحد بعد أن خرجوا من منزلهم .كانت أمنية محمد أن يجد دراجة هوائية يوفر فيها على نفسه عناء الذهاب والعودة من مكان شراء بضاعته لمنطقة تجواله لبيعها وقد تحقَّقت أمنيته حينما أصبح يملك دراجة هوائية تخدمه و تساعده في عمله اليومي الذي كان يتطلّب جهداً مضاعفًا.
هكذا صارت أحلام صغارنا، كبروا قبل أوانهم وأصبحوا رجالاً صنعت منهم هذه الأوضاع عمالقةً يجعلون المستحيل ممكنًا والألم أملاً والمحنة منحة، تقول سلمى: «لا تستهينوا بقدراتهم فبإمكانهم فعل الكثيــــر فهم جيل: الموت ولا المذلة، إنهم جيل الحرية»

تابعنا على تويتر


Top