“كلاي” يعيش كأسطورة.. ويرحل كرمز

muhammad-Ali.jpg

محمد علي كلاي (إنترنت)

أسطورة الملاكمة دون منازع، والرجل الذي اعتنق الإسلام اعتقادًا ودافع عنه في المحافل، والإنسان الذي ناهض التصريحات العنصرية أو التصرفات التي اعتبرها خاطئة لأبناء جلدته، هو محمد علي كلاي الذي توفي أمس عن عمر ناهز 74 عامًا، ليرحل كرمز خلدته عشرات الكتب والتقارير والتماثيل والاحتفالات، لكنها لم تفِ حقه كما يقول محبوه.

ولد كاسيوس كلاي عام 1942 في مدينة لويزفيل بولاية كنتاكي الأمريكية، لوالد يعمل خطاطًا، وبدأ ممارسة الملاكمة كهواية في الثانية عشرة من عمره، ليتألق ويصل إلى قمة أدائه عام 1960 عندما فاز بميدالية ذهبية أولمبية، ويدخل بالتالي عالم الاحتراف.

يعد كلاي الملاكم الوحيد الذي فاز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات، وحافظ على تربعه عرش اللعبة لنحو عشرين عامًا، حقق خلالها الفوز في 56 مباراة، من بينها 37 مباراة بالضربة القاضية، فقيلت فيه العبارة الأشهر “يحوم كالفراشة.. ويلسع كالنحلة”.

لم يراعِ الملاكم الأسود حساسية الأمريكيين العاشقين له عندما قرر تغيير دينه عام 1965 بمساعدة صديقه الحميم المفكر مالكوم إكس، وآثر الإقدام على هذه الخطوة بقناعة راسخة، في ظل ما شهدته الولايات المتحدة ذاك الوقت من ارتفاع منسوب الوعي في مواجهة العنصرية التي عانى منها أسلافه.

حياة مليئة بالمغامرات والنزالات التي طالما أنهاها بالضربة القاضية، اكتسح فيها اللعبة وحاز لقب “أسطورة” لدى ملايين الأمريكيين وغير الأمريكيين العاشقين له. لم تمنعه قساوة اللعبة وخطورتها من امتلاك حس الدعابة الذي اشتهر به، ولم تحجب عنه أيضًا الإنسانية التي اتسم بها، فناهض التطرف والعنصرية والحروب العبثية في مواقف عدة.

رفض كلاي الانضمام إلى جيش بلاده بعد نجاحه بالاختبارات المؤهلة عام 1966، فواشنطن في حالة حرب مع فيتنام آنذاك، وهو ما رآه كلاي حربًا ظالمة “هذه الحرب ضد تعاليم القرآن، وإننا كمسلمين ليس من المفترض أن نخوض حروبًا إلا إذا كانت في سبيل الله ورسوله”، لتسحب ألقابه التي فاز بها بسبب موقفه، ويمنع من ممارسة اللعبة أربعة أعوام، إلى أن رفع الحظر عنه وتابع مشواره.

أصيب كلاي بعد مشواره الكبير في عالم الملاكمة والمواقف الإنسانية بداء باركنسون (الشلل الرعاشي)، عام 1984، لكنه حاول التأقلم وتابع حياته فتزوج للمرة الرابعة عام 1986 من فتاة تدعى يولندا، بعد ثلاث تجارب أسفرت عن سبع بنات وولدين، لكن حالته بدأت تسوء منذ العام الخامس في الألفية الثانية، وتعرض منذ ذلك الوقت لعدة انتكاسات صحية.

الحالة الصحية المزرية التي حرمت كلاي من ممارسة الرياضة بعد اعتزاله، وجعلت منه جسدًا مرتعشًا طيلة 32 عامًا، لم تمنعه قبل أشهر من توجيه “لكمات إنسانية” للمرشح الرئاسي دونالد ترامب، ذي التصريحات العنصرية المعادية للإسلام. بل إن تلك الحالة لم تمنعه من تكثيف أنشطته الإنسانية التي شملت تبرعات مالية وجهودًا إغاثية في ملفات عالمية عديدة.

وفي تصريح له في نهاية العام الماضي، قال: “أعتقد أنه ينبغي على زعمائنا السياسيين أن يستغلوا مواقعهم للحض على تفهم الدين الإسلامي، والتوضيح بأن هؤلاء القتلة المغرر بهم قد شوهوا حقيقة الإسلام عند الناس”، ومضيفًا أن تصريحه “موجه إلى المرشحين الرئاسيين الذين يطالبون بمنع المسلمين من الهجرة إلى الولايات المتحدة، والذين جعلوا الكثيرين ينفرون من تعلم حقيقة الإسلام”.

عاش محمد علي كلاي كـ “أسطورة” في نظر الملايين من محبيه وأنداده ومنتقديه على حد سواء، ورحل رمزًا لدى الكثيرين ممن عشقوا بطولته وإنسانيته التي رافقته طيلة مشواره.

وبعد عقود طويلة خلّد خلالها بطولاته واكتسب مجدًا من خلال ما وصفه به محبوه: “يحوم كالفراشة ويلسع كالنحلة”. ها هو يرحل مجسدًا مقولة جديدة يبدو أنها ستلتصق بسيرته: يعيش كبطل ويرحل كرمز.

تابعنا على تويتر


Top