لمن يسلّم الفلاح محصوله؟.. المعارضة والنظام يتسابقان للحصول على القمح

13349221_196037054128570_508115221_n1.jpg

موسم الحصاد في محافظة درعا - أيار 2016 (مؤسسة نبأ)

مع بدء موسم الحصاد في سوريا لعام 2016، يتسابق النظام والمعارضة من أجل شراء أكبر كمية ممكنة من محصول القمح والشعير، عن طريق تقديم تنازلات وإغراءات مالية للفلاحين والمزارعين.

“معركة القمح” كما يسمّيها مراقبون ومحللون اقتصاديون، لا تقل أهمية عن المعركة السياسية والعسكرية الدائرة بين الطرفين منذ سنوات، فكلاهما يدرك أنّ تأمين رغيف الخبز مهمٌ جدًا من أجل الاستمرار على حلبة الصراع، خاصة بعد انخفاض كميات الإنتاج في سوريا نتيجة خروج مساحات واسعة مخصصة لزراعة القمح من الخدمة.

النظاميغريالفلاحين

حكومة النظام، واستعدادًا لموسم الحصاد، أصدرت توجيهات بحسب وكالة الأنباء الرسمية (سانا) بعدم رفض أي كمية قمح تصل لمراكز استلام الحبوب، واتخاذ كامل الإجراءات اللازمة لتسويق الموسم الحالي وتأمين جميع مستلزمات الإنتاج للمزارعين.

وخصّصت اللجنة المركزية لدراسة واقع وتسويق موسم الحبوب في الحكومة مبلغ 100 مليار ليرة سورية، لتسويق محصول الحبوب للموسم الحالي، بهدف الإسراع بعمليات تسليم الفلاحين مستحقاتهم المالية وتشجيعهم على تسويق محاصيلهم.

ورغبة منها في استمالة الفلاحين أينما وجدوا، في مناطق المعارضة أو تنظيم “الدولة”، أعلنت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، التابعة لحكومة النظام، عن رفع سعر شراء القمح من الفلاحين ليصل إلى 100 ليرة للكيلو غرام الواحد، و75 ليرة للكيلو من الشعير، بمقدار زيادة 31% بعدما كان في العام الماضي سعر شراء كيلو القمح من الفلاحين 69 ليرة، في خطوة اعتبر محلل اقتصادي من دمشق، رفض الكشف عن اسمه، أن سببها هو تراجع سعر صرف الليرة بمقدار 200 ليرة عما كانت عليه العام الماضي أمام الدولار.

ورأى المحلل الاقتصادي، في حديثٍ إلى عنب بلدي، أنّ خطوة استمالة الفلاحين ستكون محدودة التأثير لأن كميات الإنتاج بالأساس قليلة، كما أن السعر الذي ستفرضه مؤسسة الحبوب في الجانب الآخر (المعارضة) سيلعب دورًا أيضًا، وهنا يمكن للفلاح أن يقرر لأي جهة يسلم محصوله حسب العائد على الإنتاج.

إغراءاتع الفاضي

يعترف مدير عام مؤسسة إكثار البذار، في حكومة النظام، بسام سليمان، أن المؤسسة قدمت إغراءات للفلاحين لتسليم المحصول، إذ حددت سعر استلام القمح بـ 140 ليرة والشعير بـ 120 ليرة، مشترطًا أن يكون مطابقًا للمواصفات المحددة ليحصل الفلاحون على هذا السعر.

واعتبر أن هناك تجار “سوق سوداء” دخلوا على خط تسويق المحصول، حيث يجولون على الحقول ويقدمون مغريات للفلاحين لشراء محصولهم بأسعار تتراوح بين 140 و145 ليرة للقمح من أرض الحقل، ويأخذونه إلى إدلب والمناطق الساخنة لبيعه بسعر يصل إلى 200 ليرة.

الاستيراد.. خيار لا مفر منه

من المتوقع أن يتراجع إنتاج القمح هذا العام، استكمالًا لسيناريو السنوات الماضية، فقد كان إنتاج سوريا يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة ملايين طن سنويًا قبل 2011، ما يجعل خيار الاستيراد الحل الأمثل بالنسبة لحكومة النظام، من أجل تأمين رغيف الخبز في مناطق سيطرتها.

وأعلنت المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب عن مناقصة، في آذار الماضي، لشراء واستيراد 200 ألف طن من القمح اللين اللازم لصناعة الخبز مع استخدام خط ائتمان إيراني في الدفع، وفق ما نقلت وكالة أنباء “رويترز”.

وكانت حكومة النظام طرحت العام الماضي، مناقصات لشراء قمح ومواد غذائية أخرى، وعرضت السداد عن طريق إيران التي منحتها خطًا ائتمانيًا بقيمة مليار دولار، لشراء سلع ومواد تموينية ومحروقات.

ويعاني التجار في العادة من صعوبة تمويل صفقات القمح إلى حكومة النظام السوري “بسبب العقوبات المصرفية” وارتفاع تكاليف الشحن البحري.

بلغ متوسط المساحة المخصصة لزراعة القمح في سوريا 1.68 مليون هكتار خلال السنوات 1995-2010، وتراوح إنتاج سوريا بين ثلاثة وأربعة ملايين طن سنويًا.

بلغت المساحات المزروعة بالقمح لموسم 2015 – 2016 نحو 538 ألف هكتار من المخطط البالغ 1.7 مليون هكتار بنسبة تنفيذ 31%.

في حين لم تزد المساحة المزروعة بالشعير عن 6.6 آلاف هكتار من المخطط البالغ 15.1 ألف هكتار بنسبة تنفيذ لا تتجاوز 40%.

المعارضة تنافس النظام لشراء القمح

وفي المقابل، تنافس المعارضة السورية ممثلة بهيئاتها المدنية والعسكرية حكومة النظام، في الحصول على محصول القمح، عن طريق وضع خطط لشرائه من الفلاحين بحسب مدير عام مؤسسة الحبوب في الحكومة السورية المؤقتة، حسان المحمد، الذي قال لعنب بلدي إن المؤسسة تخطط لشراء حوالي 30 ألف طن، وستسعى بالمشاركة مع القوى المحلية والقطاع الخاص لشراء بقية الكمية، متوقعًا شراء محصول القمح المنتج في المناطق المحررة كافة، وتخزينه في مستودعات منفصلة عن بعضها ومخصصة لهذه الغاية.

وحددت مؤسسة الحبوب في الحكومة المؤقتة سعرًا يقارب ذلك الذي حدده النظام، من أجل شراء القمح وهو 225 دولارًا للطن الواحد من القمح القاسي، و220 دولارًا للقمح الطري “القمح الخبزي”، بحسب المحمد، إضافة إلى توزيع أكياس “الخيش” التي توزع للفلاحين مجانًا من أجل الحصاد، ما يوفر تقريبًا عشرة دولارات.

ووضعت الحكومة خططًا لتحديد آلية السعر منذ حوالي شهر، فشكلت لجانًا في كل المناطق المحررة، وكانت مهمتها دراسة تكاليف الإنتاج، ثم اقتراح السعر المناسب بعد إضافة هامش ربح حوالي 40% من التكاليف لصالح الفلاح.

وعن سبب تسعير شراء القمح بالدولار، أوضح المحمد أن الحكومة لا تستطيع التعامل مع الليرة السورية لأن قيمتها متغيرة باستمرار، فقامت بالتسعير بالدولار من أجل إعطاء ثبات للإنتاج والتسويق للأسعار.

نقص المخزون والبحث عن بدائل

كمية القمح التي تسعى المؤسسة لشرائها من الفلاحين، لا تستطيع تغطية حاجات كل المناطق المحررة بسبب وجود نقص “كبير جدًا” في الإنتاج، ما دفع بالحكومة لوضع خطط “بديلة”، تبنى بالأساس على الاحتياج للمناطق حسب تعداد السكان الموجود فيها، وبالتالي إمكانية تقدير حاجات هذه المناطق من القمح على مدار العام.

وأوضح المحمد أن العمل في هذه المناطق يتم بشقين: الأول حسب الإمكانيات المتوفرة لدى الحكومة، إذ تشتري القمح ثم تخزينه وتستخدمه حسب الاحتياج. والشق الثاني من خلال إعداد تقارير الاحتياج ومشاركتها مع منظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، ودول أصدقاء الشعب السوري بهدف عدم الوصول إلى “مجاعة”.

ونفى المحمد توجه الحكومة المؤقتة للاستيراد، وقال “ليس لدينا الأموال الكافية لاستيراد القمح، لكن تقوم المؤسسة بإعداد مشاريع وتقديمها للجهات الدولية الداعمة للشعب السوري”.

تراجع الإنتاج.. وانعدام الدعم لدى المعارضة

إنتاج القمح في المناطق المحررة انخفض في الموسم الحالي عن الموسم الماضي بمقدار 230 طنًا، إذ بلغ الإنتاج في 2015 تقريبًا 350 ألف طن، لكن توقعات مدير المؤسسة لموسم 2016 لا تتجاوز 120 ألف طن في أربع محافظات هي: حلب ودرعا وإدلب وحمص، إضافة إلى ريف القنيطرة وريف حماة.

وأرجع مدير المؤسسة انخفاض الإنتاج إلى انخفاض المساحات المزروعة بالقمح لصالح محاصيل أخرى، مثل المحاصيل الطبية والعطرية (الكزبرة والكمون والحبة السوداء)، إضافة إلى الحمّص والعدس، ويلجأ الفلاحون إلى زراعتها لعائدها الكبير وكلفتها القليلة.

يكلف إنتاج طن واحد من القمح وسطيًا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة حوالي 170 دولارًا، وهذا السعر يتغير تبعًا لسعر الدولار وأسعار المحروقات التي يتحكم بها النظام وتنظيم “الدولة” إضافة إلى ندرة في السماد والمبيدات لكلفتها الباهظة.

هناك عامل آخر أدى لانخفاض إنتاج القمح، هو انخفاض معدلات الهطول المطري، في وقت احتياج القمح، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج بشكل “حاد جدًا”، على حد قول المحمد.

وما يزيد وضع محصول القمح صعوبة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة هو قلة الدعم المادي المباشر لشراء المحصول، فالمؤسسة العامة للحبوب لم تتزود بأي دعم مادي من أجل شراء القمح منذ تأسيسها في 2014، يقول المحمد “الدعم المادي الموجود الآن لدى المؤسسة، هو أموال بمقدار ثلاثة ملايين دولار، خصصت لشراء القمح منذ التأسيس، فقد تم تدوير هذه الأموال والحفاظ عليها منذ ثلاث سنوات، إلا أن هذه الكتلة المالية تتناقص كل عام فيتم التعويض من خلال المواد العينية التي تقدم للمؤسسة، مثل مستلزمات التسويق ما يؤدي إلى تخفيف التكاليف والمحافظة على رأس المال”، مطالبًا الحكومة المؤقتة العمل على زيادة رأس المال من خلال أصدقاء الشعب السوري.

منع إخراج المحصول من مناطق المعارضة

تحاول حكومة النظام عبر أكثر من أسلوب الحصول على “قمح المعارضة” خلال فترة الحصار وبعدها، سواء عبر نشر السماسرة وتجار السوق السوداء الذين يعملون لصالحها أو عبر رفع أسعار الشراء المباشر لترغيب الفلاحين، كما تحاول التأثير على عمليات شراء القمح أو تسويقه من خلال تسعيره بالليرة السورية وضخ عملة صعبة في بعض المناطق، ما يؤدي إلى تحسن سعر الليرة أمام الدولار، وبالتالي يصبح سعر الشراء الذي وضعه النظام أعلى من السعر المحدد من قبل المعارضة، وفق ما يطمح له النظام.

وأدت هذه العملية إلى إرباك سياسات وخطط مؤسسة الحبوب التابعة للمعارضة، لكنها استطاعت تدراك الأمور، على حد قول المحمد، لتصبح واضحة للجميع في المناطق المحررة “النظام استخدم هذا الحيلة من أجل استنزاف القمح لمناطقه”.

سياسة النظام دفعت الفصائل المسيطرة على المناطق المحررة، بالتعاون مع المؤسسة، إلى الاتفاق على خطورة ذهاب القمح إلى مناطق النظام الذي سيستعمله كسلاح آخر للتجويع، ومنهم جيش الفتح في إدلب الذي طالب بمنع إخراج محصول القمح إلى مناطق النظام.

وأيًا كانت المسوغات التي يسوقها الطرفان لاستجرار كميات القمح والشعير إلى مناطقهما لتأمين الطحين اللازم لصناعة الخبز، يبقى الحفاظ على الأمن الغذائي للسكان هو الأهم بالنسبة لواضعي هذه السياسات سواء المعارضة أو النظام، لكن الأرقام التي تقدمها مراكز الدراسات والأبحاث لدى الطرفين تشير إلى أن محصول سوريا الاستراتيجي من القمح أصبح على حافة الهاوية، بعدما تحولت سوريا من مصدّر إلى مستورد.

مراد عبد الله – عنب بلدي

تابعنا على تويتر


Top