البحث عن الأسباب – نحو تشكيل منهجيّة علميّة

عنب بلدي – العدد 62 – الأحد 28-4-2013
عتيق – حمص9

تحدّثنا في الأسبوع الماضي عن أهميّة تشكيل «عقليّة علميّة» في المجتمع العربيّ كخطوة أولى، ومدخل رئيس في إحداث ثورة ثقافيّة وفكريّة تنعكس على كل ميادين الحياة.
وبدأنا بالعنصر الأوّل في هذه العقليّة، وهو «التساؤل» الذي يمكننا من التشكيك في المسلمات التي نعتقد بها بقوّة، وهذا التشكيك يدفعنا للبحث عن صحّة ما نؤمن وما نعتقد، لنكتشف بعد ذلك رجاحة الموروث الديني والثقافي على ميزان العقل والعلم، ونميز الصحيح من الخرافي.
وسنتحدث هذا الأسبوع عن العنصر الثاني في هذه العقليّة، وهو «البحث عن الأسباب الحقيقيّة»:
فبعد تفنيد الثقافة القديمة الموروثة، واكتشاف المتهافت منها،  تبرز هنا الحاجة إلى بناء إجاباتٍ جديدة، على أسس علميّة، وهو ما يعرف بمهمّة البحث عن الأسباب.

ويقصد بمبدأ السببيّة بأنّ الله جعل في هذا الكون لكلّ شيءٍ سبّبا، وبأنّه – تعالى- يسيّر الكون وفق هذه الأسباب، ووفقها فقط، وأنّ قوانينها لا تخرق البتّة (وهو ما يعرف بمبدأ الحتميّة)، فصلاح الرجل واستقامته لا تعني أنّ الله سيعطّل لأجله قانون السببيّة، وينطبق القول على الأمة كما على الفرد {ولن تجد لسنّة الله تبديلًا، ولن تجد لسنّة الله تحويلًا}.
فالتمكين في الأرض لا يكون بمطالبة الله بخرق هذه السنن وتجاوزها، بل يكون في التعب والدأب على اكتشافها وتسخيرها، وفي معرض مدحه لذي القرنين يحدّثنا القرآن عن سرّ قوته قائلا {وأتيناه من كلّ شيءٍ سببًا}، وهذا سرّ قوّة الغرب، البحث عن الأسباب، فما هو سبب المرض الفلاني؟ ما هو سبب إنهيار الدول ؟ ما هو سبب نجاح المجتمعات؟ ما هو سبب العمر المديد ؟ ما هو سبب العيش الهانئ؟ ما هو سبب الفشل ؟ ما هو سبب ضعف الدول؟ ما هو سبب فساد الأخلاق؟ ما هو سبب تفشي الإنحلال الجنسي؟ الخ

وثقافة التخلّف لا تنفي وجود الأسباب – عادةً –  لكنها تعمل على تزويرها، فتردّ كلّ شيءٍ إلى إرادة الله المباشرة، إلى رضاه أو سخطه، إذ تسوّق هذه الثقافة مقولة بأنّ كل التحديات والمشاكل والشرور والأمراض والآلام هي عقاب من الله وسخط منه، على بعد الناس عن الإلتزام الدينيّ، وبأن القوة والمكنة والغلبة والتقدم والحضارة هي في العودة إلى الأخلاق الحميدة، والشعائر الدينيّة، وتستخدم لذلك نصوصًا دينية تعامل بشكل مجتزئ عن سياقاتها وعن مجمل الخطاب الديني، كقوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
وعجبًا إذا كان الأمر على ذلك لمَ يسبقنا الغرب ويتفوق  وينتصر علينا، ويهزمنا مرارًا، في الميادين كافّة؟!

بل إنّ لكلّ شيءٍ في هذا الكون سنن وأسباب، من عمل بها تمكّن من نفسه ومكّن حضارته، ومن لم يعرفها ويعمل بها بات لقمة سائغة للآخرين.
لكنّ علماء الدين يظنون، بأنّ القول بغير ذلك يعني دعوة الناس للذنوب والمعاصي والابتعاد عن الدين، وعجبًا على هذا المذهب في التدين، إن التدين يبنغي أن ينبع من الإيمان بالله واليوم الآخر، ولا أحد يختلف على وجوب الإلتزام بالأخلاق والشعائر، لكنّ ذلك يكون من منطلق الإيمان، لا من منطلق، أنّنا نعود إلى الله ونتقي ونعمل بالشرع فنتقدّم ونزدهر ونحقّق النهضات والحضارات، فما هكذا تورد الإبل.

علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقيّة في كلّ شيء، وفي كلّ الميادين، وأن لا ننخدع بهذا التزوير الذي يدخل المجتمعات في غيبوبة حضاريّة طويلة.
وبذا نخطو خطوةً إضافيّة على درب النهضة والتمكين.

تابعنا على تويتر


Top