عسر هضم ثقافي – نحو ثورة اجتماعية شاملة

8
حنين النقري – دوما

غالبا ما نشتكي من عدم شيوع القراءة في المجتمعات، وكثيرة هي الإحصائيّات والنسب التي تحكي وتترجم لنا واقع القراءة المؤسف بيننا بالأرقام ، أحيانًا، نبرر ذلك بضيق الوقت، بأسعار الكتب، بالانشغال بلقمة العيش، بترتيب الأولويات الذي ما عادت القراءة جزءًا منه، وما عاد نشر الثقافة فيه، بالمناهج المدرسية القائمة على التلقين، بالدكتاتوريات القائمة على التعتيم ونشر الجهل، وكل ذلك صحيح طبعًا ولكن، ماذا عن الكٌتّاب؟
هل يشكل الكُتّاب اليوم أحد العوائق الإضافية أمام انتشار القراءة في المجتمع؟!
قد يبدو سؤالًا غريبًا، لكنه واقعي مع نفور المجتمع من القراءة، من تغذية العقول بهذا الشكل!

عندما تقدّم لطفلك طبقًا مغذيًا حاويًا على العناصر الأساسية التي يحتاجها جسمه، فيرفض ويحجم ويرميه متجهًا نحو الشوكولا اللذيذة التي ستضره من حيث لا يعلم، فكّر في طريقة عرضك للطبق، قد يكون تقديمك له سيئًا، قد يكون منظره منفرًا، قد تكون نكهته غير محببة، وقد يكون ثقيلًا عسير الهضم، ومن الأفضل استبداله بوجبات عديدة خفيفة، فيها ذات القيمة الغذائية، مع طريقة جذّابة في التقديم، ومكونات أسهل للهضم!
لا زلت أتحدث عن القراءة، إنما هو مثال شبيه بواقع الحال، الكتب مملة، اللهجة صعبة، المصطلحات عسيرة على الفهم، الأسلوب ملتف وغير مباشر، التلفاز مسل وممتع ومفيد أكثر، فلم أضيع وقتي في أمر لا أحبه؟!، نسمع هذه العبارات كثيرًا عندما نشير إلى أهمية القراءة أمام أحدهم، ولا لوم ?صحابها أبدًا، فمن منّا يحب أن يشعر بأنه لا يفهم شيئًا، ويشك في قدرته على التهجئة أمام صعوبة كتاب يقرؤه!!

من الطبيعي أن يكون هناك كتب تخصصية موجهة ?هل الاختصاص والمتبحرين في أي علم وتوجه، لكن من حق رجل الشارع أيضًا أن يجد ما يناسبه في المكتبة، اللهجة المحببة، الأسلوب البسيط، الافكار الواضحة، المادة الجاذبة، المفيدة وغير المملة في آن!
ولا يسعني أن أذكر هنا إلا أديبنا الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله، بين الأدباء تجده أديبًا أريبًا عارفًا باللغة ومراميها وألفاظها، لكنه يخاطب العامة في كتبه، بلهجة تستقطبنا جميعًا، يشرح مشكلاتهم، يسلّط حبره ليصف موقفًا اجتماعيًّا يحصل لكل منا، في وسائل النقل، والشارع، والمدرسة، والبيت… فيعطي الموقف روحًا وحياة، بلهجة سلسة مبدعة، وأسلوب لطيف محبب، يشير لمواضع الخلل في المجتمع ويطرح الحلول مباشرة دون مواربة ولا إفراط بالتحليل بعيدًا عن الواقع، وهو ما يجعل كتبه قِبلة للصغير والكبير، الأديب والعامي، المثقف والعادي، تجد فيها المتعة إن أردت المتعة، والفائدة إن بحثت عن الفائدة، وما ذاك إلا ?ن الشيخ الطنطاوي أحسن عرض بضاعته، وليت بعض الكتّاب اليوم، يدركون منه سرّ الصنعة فيتقنوها، ليحببوا الناس بالقراءة مجددًا، وينشروا كتبهم وأفكارهم بحسن عرضهم لها، واقترابهم من واقع الناس، لا كتابتهم من أبراجهم بعيدًا عنهم..

أؤكد على أن كلامي ليس للمفكرين المتبحرين بمجال ما، ولا للاختصاصيين، لكنه موجه للمفكرين ورواد القلم، المخاطبين للناس عامة، والذين يهدفون لنشر العلم النافع، والثقافة والقراءة، وإصلاح العلاقة بين الناس وبين الكتاب في مجتمعاتنا، الحل لا يكون بالمزيد من الكتب، والمزيد من الصفحات، بل بالبحث في اللهجة الأنسب، في الأسلوب الأكثر سلاسة، في تقديم وجبات خفيفة ومفيدة، ممتعة وقريبة من حياة الناس، يسهل تناولها واستخلاص العبرة منها، يقرؤها المثقف فيعجب بقدرتك على التبسيط وإيصال الفكرة، ويقرؤها العادي فيشعر أنها كتبت بلسانه، قد تقتنص فيها موقفا أزعجك في الشارع، لتسلط الضوء على مشكلة كبيرة، بمثال بسيط ويومي، يجعل الأمور أكثر فهمًا، والمصطلحات أكثر قربًا من حياتنا…
هي مسؤوليتنا كقراء أيضًا، في إرشاد من يستنصحنا للكتاب المناسب لثقافته، ولطبيعته، بذكاء وتقدير لما يناسبه، حتى يعاود الكرّة مجددًا.
البساطة، سلاسة اللغة، هما من فنون البلاغة أيضًا، وربما كانا أكثر ما نحتاجه في عرض أفكارنا اليوم لمن حولنا، حتى لا نكون -نحن- حجر العثرة في وجه ما نرغب بنشره من حيث لا ندري!
ولعل آينشتاين أوجز ما أرمي اليه إذ قال «إن لم تتمكن من شرح فكرتك لطفل في السادسة، فأنت نفسك لست متمكنا منها»
دمتم قرّاء 🙂

تابعنا على تويتر


Top