الميليشيات الشيعية الطفل المدلّل.. أمريكيًا

د. محمد محمود

منذ اندلاع الربيع العربي ضد الاستبداد والقمع عام 2011، انهارت المنظومة العسكرية في أغلب الدول العربية شمال إفريقيا والمشرق العربي واليمن، بسبب الانشقاقات الكبيرة في صفوف الجيش بعد أن حولت هذه الأنظمة الثورات السلمية إلى المسلحة بسبب قمع الشعوب وقتلهم وتشريدهم.

لذا لجأت العديد من الأنظمة الضعيفة إلى الميليشيات المحلية أو الإقليمية أو الدولية للمساعدة في الدفاع عن نظامها الحاكم، من خلال استغلال شعارات المذاهب أو الدين أو القومجية الضيقة.

صحيح أن هذه الميليشيات والكتائب الموالية للحكومات قد تؤدي أدوارًا أمنية مهمة في قتل المواطنين وحماية الحاكم بشكل جزئي، إلا أنها تتمتع بمقدرة عسكرية ومصداقية محدودتين، لأن غالبية الذين ينضمون إليها ليست لديهم الخبرة العسكرية على القتال النظامي وإنما يتعاملون بشكل عصابات وقطاع طرق، وشراء الذمم وغسيل الأدمغة.

ومن جهة أخرى تنامت ميليشيات ترتبط بالأحزاب الحاكمة وهدفها ليس الدفاع عن الحاكم نفسه، وإنما الدفاع عن مصالحها، وقد يستقطب مقاتلو هذه الميليشيات مباشرة من مناصري النظام نفسه.

في المقابل تتكون ميليشيات أخرى من فصائل ثورية سابقة، أو منشقين من مجموعات إرهابية ومتمردة، وغالبًا ما تسعى هذه الميليشيات إلى الإبقاء على استقلاليتها حتى لو أعلنت الولاء ووضعت نفسها في خدمة النظام أو المعارضة، وهذا ما نلاحظه في الوضع السوري، فأغلب الكتائب والميليشيات العسكرية لا تأتمر بأوامر المعارضة السياسية، بينما لا تأتمر الميليشيات الشيعية الموالية للأسد، وحتى “داعش” وأخواتها التي دخلت إلى سوريا من خلال التنسيق معه، بأوامر النظام في بعض الأحيان لتضارب المصالح الدولية والإقليمية.

لذا فإن خطر الاعتماد على الميليشيات هو رفض الانصياع إلى الأوامر، أو الانقلاب على رعاتها الدوليين، و حتى لو كانت الميليشيات وفيةً، فهي غالبًا ما تفتقر إلى التدريب والمعدات الضرورية لمواجهة أعداء آخرين حسب فهمها.

هل للإرهاب لون ودين وجنس وقومية؟

الإرهاب لا دين ولا قومية ولا جنس له، ولكن هناك إشكالية تواجهنا، وهي غياب تعريف دولي متفق عليه لظاهرة الإرهاب، فكل طرف يلحق التهمة بخصومه حسب مزاجه ومصالحه وما يخدمها، مهما كان لونهم وجنسهم ودينهم. كما أن هناك تعاملًا بمكيالين للتعريف وتكييفًا عالميًا أو أمميًا لمصطلح الإرهاب، جعل هذا الوباء يطال الجميع، ما زاد في نشر الكراهية والعنف والعنف المضاد.

وصارت مقاومة الشعوب للاحتلال إرهابًا، ودفاع الشعوب عن حريتها وكرامتها ضد الأنظمة المستبدة إرهابًا، لدى كل المستبدين والديكتاتوريين والطغاة، وهذا ما صرح به بشار الأسد بداية الثورة حين وصف حربه ضد الشعب السوري الأعزل بـ “حربٍ ضد الإرهاب”.

غدا الإرهاب مجرد شماعة تبرر بها وتعلق في عنقها شرور الأنظمة الاستبدادية، فكل من يرى مصالحه الخاصة وممالكه قد يهتز عروشها ومهددة من قبل الشعب، يتهمه بالإرهاب ثم يفعل فيه ما يحلو له من الجرائم التي ترفضها القوانين الدولية دون حساب أو رقيب.

بشار الأسد والإرهاب

في سوريا مايزال نظام بشار يشنّ أبشع أنواع الحرب الشرسة على الشعب، من خلال البراميل المتفجرة والصواريخ وجميع أنواع الأسلحة التقليدية والمحرمة دوليًا، عدد الضحايا يقترب من مليون مواطن بين قتيل وجريح، فضلًا عن الملايين من المفقودين والمهجرين والمنفيين والمعتلقيين والمختطفين.

ارتكب الأسد، بالتعاون مع حزب الله وجميع الميليشيات الشيعية التي جلبها التدخل الإيراني السافر والمحتل لسوريا، أفظع المجازر الجماعية بحق الشعب، وبالتنسيق مع الميليشيات التكفيرية والإرهابية (داعش وأخواتها)، حتى وصلت الإبادة حد استعمال أسلحة محرمة دوليًا مثل الكيماوي والعنقودي.

من المستغرب ألا يسقط نظام الأسد براميله المتفجرة على الدواعش، وكيف يعقل لتنظيم بهذه القوة والقسوة والإمكانية أن ينفذ عمليات إرهابية دموية في جميع أنحاء العالم، ولا يستطيع تنفيذ عملية واحدة في معقل بشار، وفي الداخل أو الخارج الإيراني؟

ميليشيات الشيعة وحزب الله والإرهاب

هل ما اقترفه بشار وحزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والحرس الثوري الإيراني، من جرائم لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، معقولة ومقبولة عالميًا؟ وما فعله وتفعله “داعش” المتطرفة إرهابًا؟

حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، قال أثناء لقائه مع الجرحى الذين يقاتلون في سوريا “سنقاتل في كل مكان بلا وجل ولا مستحى من أحد، سنقاتل بعيون مفتوحة، ومن لا يعجبه خيارنا فليفعل ما يراه مناسبًا له… لو سقطت كل المدن، فلن يحبط هذا الأمر عزيمتنا، ويجب أن تكون معنوياتنا مرتفعة وحالتنا النفسية قوية”.

واعتمد الأسد على ألوية وكتائب، اعتمدت بدورها على الخلايا النائمة لجذب المقاتلين إلى صفوفها ومنها: فيلق القدس، جيش المهدي (لواء اليوم الموعود)، فيلق الوعد الصادق، حزب الله العراقي، لواء ذو الفقار، لواء قمر بني هاشم، لواء الطف، لواء كفيل زينب، لواء عمار بن ياسر، لواء بقية الله، لواء المعصوم، لواء السيدة زينب، لواء أسد الله، الحوثيون، لواء الصعدة، لواء الإمام الحسين، لواء التدخل السريع، لواء أبو الفضل العباس، كتائب النجباء، كتائب سيد الشهداء، كتائب الحسن المجتبي.

بالإضافة إلى عصائب أهل الحق، الحرس الثوري الإيراني، المقاومة الإسلامية بدر الجناح، قوات محمد باقر الصدر، فوج طوارئ السيدة زينب، حزب الله اللبناني.

معظم جنسيات أفراد هذه التشكيلات لبنانية وإيرانية وسورية وعراقية، وبعض أفرادها شيعة أو متشيعون من دول أخرى.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا يعتبر هؤلاء إرهابيين عالميًا بسبب دخولهم ومحاربتهم وارتكاب أبشع المجازر بحق شعوب المنطقة؟

داعش والإرهاب

هؤلاء مجرمون حقًا، يقتلون باسم الدين ويشوّهون الدين الحنيف، ويعتقدون أنهم سيفتحون أوروبا، لقد قتلوا عشرات الآلاف بهذه الطريقة وأكثر، ولا يفرق المقاتل في “داعش” بين الإسلام وبين كونه إنسانًا مجرمًا سيئًا مريضًا، فهو إنسان مضروب في إنسانيته مريض في آدميته.

وأثار هذا التنظيم “الإرهابي” جدلًا كبيرًا منذ ظهوره في سوريا والعراق، حول نشأته، ممارساته، أهدافه وارتباطه، الأمر الذي جعله محور حديث الصحف والإعلام، وما بين التحاليل والتقارير، ضاعت هوية التنظيم المتطرف وضاعت أهدافه وارتباطاته بسبب تضارب المعلومات حوله. فئة تنظر اليه كأحد فروع القاعدة في سوريا والعراق، وفئة أخرى تراه تنظيمًا مستقلًا يسعى لإقامة دولة إسلامية، وفئة ثالثة تراه صنيعة النظام الأسدي والمالكي وتدريب النظام الملالي للفتك بالمعارضة وفصائلها.

لذا هل “داعش” حقيقة موضوعية أم مجرد عملية لترويج بضاعة إعلامية، وإعادة تعليب لبضاعة قديمة اسمها القاعدة؟ أم أن “داعش” مجرد بضاعة لمراكز استخباراتية عالمية وإقليمية لإنقاذ الأنظمة الاستبدادية من الانهيار؟ أم لإعطاء الشعوب دروسًا أن الحرية والديمقراطية ليست من حقكم؟

نحن مع العالم للوقوف في وجه “داعش” وأخواتها، ولكن لماذا تقتصر الحملات الدولية على الميليشيات التكفيرية التي تتبنى المذهب السني؟ ولماذا تستثني أطرافًا إرهابية فاعلةً في سوريا والعراق؟ أليست الميليشيات التي تتبنى وتستغل المذهب الشيعي أكثر إرهابًا وتحتل الأراضي والدول من العراق وسوريا ولبنان واليمن بشكل علني؟ أليست الأنظمة الاستبدادية من بشار والمالكي والملالي هم رأس الأفعى للإرهاب في المنطقة؟

داعش والميليشيات الشيعية “صنيعة إيران”

قبل فترة بسيطة صرّح نائب قائد القوة البرية في الجيش الإيراني، كيومرث حيدري، أنه “لن تكون هناك مواجهة محتملة لإيران مع تنظيم (داعش)، وليست هناك تهديدات من قبل التنظيم، وأن مهمة قوات الجيش المنتشرة على طول الحدود الغربية لإيران قد انتهت”.

ومن جهة أخرى قال المحلل السياسي والباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمد السلمي، في تصريحات للــ “الوطن”، “إيران لا تمانع في قتل (داعش) للشيعة في المنطقة العربية إذا كان ذلك يحقق أهدافها السياسية”.

ومن أبرز ما يتم الاستدلال به على أن تنظيم “داعش” هو صناعة إيرانية ما أوردته صحيفة تايمز اللندنية في أيلول 2014، من تقارير تؤكد انضمام النظام الإيراني إلى جهود روسيا والنظام السوري لعرقلة تشكيل أي تحالف دولي لمحاربة التنظيم. وأيضًا أشارت تقارير أخرى إلى أدلة مشاهدة مثل عدم استهداف “داعش” لأي مصالح إيرانية والتركيز على مدن السنة، وعدم مهاجمة جيش الأسد والميليشيات الشيعية، وهذا ما ظهر جليًا من خلال التنسيق الواضح بين “داعش” وقوات الأسد في اقتحام مناطق ريف حلب الشمالي المحررة.

يومًا بعد يوم تظهر العلاقة الجدلية والوطيدة بين نظام الملالي وداعش، وهي علاقة ربّ العمل بالعبيد، لأن “داعش” مجرد جنود تحت الطلب، فالتنظيم مستمرٌ كذراعٍ إيرانية قذرة تخدم مصالح الملالي لتصدير ثورتها الخمينية منذ 1979.

ويرى مراقبون أن وجود تنظيم “داعش” ومن قبلها القاعدة”، قد عزّز النفوذ الملالي في العراق ومن ثم سوريا ولبنان واليمن، وهي تمتد لأهداف أخرى لتوسيع إمبراطوريته الفارسية وامتلاك القنبلة النووية بالتنسيق مع كوريا الشمالية وروسيا.

لا مكان للدين والأخلاق في هذه اللعبة، بل تنطلق طهران ضمن مصالح سياسية واقتصادية لا تفرق في جرائمها بين الشيعة والسنة.
إن النظام الإيراني، منذ بداية الثورة السورية السلمية، نسق مع نظام الأسد وروسيا للعبة في سوريا من خلال عنونة المرحلة بـ “مكافحة الإرهاب”، وهذا بحد ذاته إجرام بحق الشعب السوري بتعميم الحكم، إذ إن كرونولوجيا الأحداث تكشف بما هو مؤكد وثابت أن الثورة السورية استمرت أكثر من ستة أشهر سلمية، وعملية العسكرة كانت متأخرة وكردّ فعل على الخيار الأمني والتشبيحي الذي سلكه نظام بشار.

وحتى الجماعات التكفيرية كان دورها متأخرًا جدًا بعد أن فتحت لها كل أبواب سوريا، وأصبحت المؤسسات الاستخباراتية الأسدية مغناطيس جذب للإرهابين من جميع أنحاء العالم.

لم يكن زمام المبادرة بيد نظام الأسد بعد أن خسر أكثر من  70% من الأراضي السورية وأصبحت تحت سيطرة المعارضة، إلا بعدما أخذت تلك التنظيمات المتطرفة من الشيعة والسنة تتمدد، بعد فتح مخازن الأسلحة لها من قبل المالكي والأسد وإيران.

تابعنا على تويتر


Top