بعضٌ مما يُبقيهم أحياء

نبيل شربجي
تفرض ظروف الاعتقال على صاحبها الانعزال -مرغمًا- عما يجري من أحداث خارج أسوار سجنه، والغوص بتفاصيل حياتية روتينية تورثه الهم والحزن والألم، وتُشعره بملل وكآبة يحال معها الكون الرحب إلى دنيا صغيرة، تجثم على صدره، وتضيّق الخناق على أنفاسه، وتجعل من بين يديه سدًا ومن خلفه سدًا، فتغشيه عن الإبصار أبعد من أمور (تافهة) تغدو قوام حياته خلف القضبان، وهو يحتاج إلى عزيمة قوية ليتحرر من أغلالها.

وفي غفلة من ذلك كله، يبحث جاهدًا عن متنفس ينفذ من خلاله من أقطار سماوات سجنه، ليشتم عبقًا للحياة، وعبيرًا يُنسيه حريته المسلوبة لبرهة.
في قصة سجن يوسف عليه السلام ما قد يصح من مقاربة عن ذلك، فعندما أُدخل السجن ودخل معه فتيان من مصر تشاركوا جميعًا همومه وتفاصيل حياته، وعاشوا ظروفها معًا، وكان متنفسهم أمورًا وأشياء عديدة يلمسها جيدًا كل من عاشها يومًا بيوم، وتصبح الهواء الذي يبقيه على قيد الحياة، يتحدون بها موتًا يومئ برأسه بين الحين والآخر.

ومن تلك الأمور الأحلام وتفسير المنامات، فالفتيان سألا يوسف أن ينبئهما عن تأويل رؤياهما، {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }يوسف36، فما إن يصحو المعتقل حتى يبادر رفاقه بإخباره عما رأوه في نومهم، فهو يعتقد أن أحلامه التي أحالت الجدران الصماء إلى سراب هي تفسير لما مر معه، وتخمين بما سيأتي، ويبالغ البعض أحيانًا بالتمسك بتأويلات ما رأى، بينما ينتظر آخرون أن يقع قريبًا مما شاهدوه، فرؤياهم حقٌّ أيضًا، وكثيرًا ما ترفع هذه الأحلام معدّل التفاؤل والرضا لدى الكثيرين لأيام عديدة، وما أكثر المفتين في هذا الموضوع عن علم وبدونه.

وكذلك هرج الأكل، والحديث عن الطعام ما لذّ منه وما طاب، يستنزف الكثير من الوقت، وإن كان الطعام ورد بشكل عابر في قصة يوسف، {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} يوسف37، فمن جهة افتقاد الجسم لأبسط حاجاته الأساسية في مكان إن وجد فيه الأكل، فهو لا يسمن ولا يغني من جوع، ومن جهة أخرى، التمني وتمنية النفس بجنة يرثونها بعد إطلاق سراحهم، يدعون فيها بكل ما يشتهون، ويعوّضون أنفسهم عن الحرمان الذي ذاقوه.

أما العفو (بالمصطلح السياسي)، وبعيدًا عن المبادئ الأساسية التي أدت إلى الاعتقال، فإن القلوب تبقى على الدوام معلّقة بعفو مُخبّأ لهم في ظاهر الغيب، فهذا هو يوسف يطلب أن يُذكر عند الملك علّه يجد عنده خلاصًا يفكّ أسره، {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} يوسف42، وبالرغم من كل الإحباطات اللاحقة، وتكرار الانتكاسات النفسية ذاتها، {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} يوسف42، إلا أن المعتقل لا يقطع الأمل والرجاء بخبر عن صدور عفو ما يحمله إليه القدر في القادم من الأيام.

تأخذ تلك الأشياء حيزًا كبيرًا من الفكر والحياة وسط العتمة، لتضيء جانبًا من ظلمة قد لا يشعر بشدتها وعذابها إلا من يعيش مفرداتها لحظة بلحظة.

تابعنا على تويتر


Top