الفوضى.. سلاح الأسد الفعال

امتلأ الإعلام العالمي والمحلي والإقليمي، صحفًا وقنوات مسموعة ومرئية، موالين ومعارضين، حلفاء وأعداء ورماديين، بفكرة الفوضى التي ستعم سوريا إذا سقط الأسد، قبل أن يوجد أصحاب القرار العالمي بديلًا مناسبًا يمنع الفوضى بعده “والتي ستهدد السلام العالمي”، فليست النساء السوريات عقيمات فقط، وإنما من الاستحالة بمكان إيجاد شخصية سورية يتفق عليها العالم كله، وترضي مصالحهم جميعًا ويكون العدو الألد لشعبه.

في هذا، الحق معهم، وهكذا واجه العقل البشري المعضلة الكبرى في إيجاد بديلٍ معادل له يحكم سوريا، لكنّ ما يغيب عن أنظار معظمهم رؤية الفوضى التي يعيشها السوريون  في الداخل تحت حكم نظام الأسد، وكأنهم عميان أو بالأحرى  يقصدون التعامي  ليحققوا أهدافهم التي لم تعد خافية على أحد.

يروي القادمون من الداخل السوري حكايات ألف ليلة وليلة، عن الفوضى الموجودة في الوقائع، فلا حكم قراقوش ولا أفاعيل جحا بل ولا الستالينية أوالفاشية مارست بمجتمعاتها ما مارسته مافيا الأسد، ووفق رواياتهم فلا قانون ولا دستور ولا قيمًا أخلاقية ولا إيمان ولا أعراف اجتماعية تحكم بين المتخاصمين وأصحاب الحقوق، مهما كان الأمر صغيرًا أو كبيرًا.

عداك عن التدمير الممنهج وإرهاب المدنيين بشتى الوسائل وأقذرها، والتهجير القسري للكتل السكانية المستقرة في أرضها ومدنها وحياتها جدًا عن جد، ربما لألفي سنة سابقة، فإن أراد المواطن أن يتنقل بين مدينة وأخرى أو حارة وأخرى، يحتاج إلى مرافق من الشبيحة، يدفع له المبلغ المتفق عليه ليستطيع الوصول سالمًا، حتى الأملاك الشخصية إما أن تزوّر الوثائق حولها أو تؤخذ عنوة بطريقة الخطف أو التهديد أو الاعتقال أو القتل.

كل شيء مرتبط بالمال أو السلاح، ذلك أصبح القانون المتعارف عليه بين الشبيحة حتى ليسبق مسألة تأليه الأسد، إن كانوا صغارًا محليين أو كبارًا متسلطين، لا أحد آمن، لا على عرض ولا مال ولا حياة، فقد تحولت أغلب مناطق تجمعات الطوائف إلى “كانتونات” مغلقة على لون واحد مستنفرة تجاه الفئة الأخرى المجاورة، وما أكثر الخرافات والأساطير التي ترويها كل واحدة عن الأخرى.

تمزق المجتمع السوري مزقًا، بعد أن كان معظمه في الأشهر الأولى للثورة موحدًا، وكان هتاف “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد” تردده الآفاق، ومع الأعمال العدائية الطائفية المفتعلة والمقصودة التي نفذتها الأجهزة الأمنية، بدأت الفوضى تعم والمجتمع يتصدّع.

لم يكن المجتمع السوري بأحسن حالاته قبل الثورة، فمعول النظام الأسدي بيد الفساد والسلطة المطلقة  كان يُعمّق الخراب فيه ويملؤه حُفرًا وأخاديد، أما لحظات التعافي الوحيدة التي شهدها، هي الأشهر التسعة الأولى للثورة، رغم القتل الذي حصد أجمل شباب الوطن، ورغم تقصده إظهار الوجه الطائفي للحراك الشعبي ومناوئيه.

ويعرف السوريون جيدًا أن النظام منذ عهد الأسد الأب قصد إفساد الجيش والقضاء والتعليم من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الجامعي، وكانت الأجهزة الأمنية تعرف ذلك وتبرره وتشارك فيه، وكان معظم أساتذة الجامعات- مع شديد الأسف- مرتبطين بأحد الأجهزة الأمنية مباشرة أو من خلال مصالحهم، وكان لكل منصب ثمن، بغض النظر عن الكفاءة بل لعلها آخر المعايير للاختيار، فعضوية مجلس الشعب مثلًا كان ثمنها أقل من ثمن منصب المحافظ لأن فاعليتها الخدمية للمواطن أقل.

المعيار الوحيد للمواطنة في نظر السلطة الحاكمة هي الموالاة، التي تعني الاشتراك في الفساد والنهب ومصادرة حقوق الآخرين، والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وحرياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهل هناك فوضى في أي مجتمع عالمي أكثر من أن تستخدم سلطة ما فئة منه مطلقة يدها في  المجتمع كله، ثم تعطيها صفة طائفية لتزيد الأمور تعقيدًا وشرذمة؟

عاش المجتمع السوري الفوضى وانهيار المؤسسات قبل الثورة، ثم ارتفعت حدتها بعد الدفع المقصود لعسكرتها، ومازالت وتيرتها في تصاعد مستمر طالما المعارك والحروب مستمرة، ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال شديدة القسوة، أحوال الموت والتهجير وضياع إنسانية الإنسان أن تعم فوضى من نوع آخر، نوع فريد تكاد تكون قلة من المجتمعات العالمية تعرضت له، وخاصة إذا كانت تحظى سابقًا بمستوى حضاري كالمجتمع السوري.

الفوضى السورية فوضى مقصودة ومفتعلة  ليتخذها أصحاب المصالح الدولية والسلطوية حجة، ويتذرع بها ليُديمها أطول فترة وليساوم عليها وبها تحقيقًا لمآربه.

أيها الخائفون من انتشار الفوضى في سوريا إن سقط الأسد بغير أيديكم، أنتم تعرفون جيدًا أن وجوده هو الفوضى، وأن استمراره هو تناميها وأن نظامه هو اللانظام، وأنه الآن لا يملك من شأن السلطة إلا تلك الخطابات الكوميدية السوداء، كأنكم لم تسمعوا شعارات إحراق البلد إن لم يبق رئيسًا للأبد ..هل في أيٍ من مجتمعاتكم يتردد شعار كهذا؟ وهل الفوضى التي بشرتنا سياستكم بها هي إحراق البلد، لتكون تلك الفوضى خلاقة كما تزعمون؟

السوريون قادرون على تحويل تلك الفوضى إلى خلاقة، بعد أن ينتهوا من نظام الفوضى المدمرة، وإن كنتم صادقين بخوفكم من الفوضى، وفي ذلك شكٌ يقرب من اليقين، عليكم أن تساعدوا السوريين على التخلص من أهم أسبابها، فالجسد السوري يملك مناعة قرون من الحضارة، وهو قادر على التغلب على أمراضه بعد أن شخصها جيدًا، كما أنه قادر على خلق مجتمعه الجديد، المجتمع الديمقراطي التعددي الحر الذي يليق به.

حذام زهور عدي

تابعنا على تويتر


Top