سفر بعيد وأجل قريب

عنب بلدي – العدد 65 – الأحد 19-5-2013
7
تترك القنوات الإخبارية ومصادر الإعلام ونقل الحدث في النفس البشرية انطباعها الخاص، وتأثيرًا في الذاكرة الصورية والعقلية –إن صح التعبير-، بينما أمسى للصباحات السورية انطباعًا ونكهة أخرى، وباتت أفران الخبز المصدر الأول للأخبار، يتناقل بها الناس آخر المستجدات، ويطمئنون على أحوال الأهل والأصدقاء والجيران، فقد ضاهت القنوات الإخبارية في قدرتها على نقل الحدث..
ولنترك فسحة لأم خالد تروي لنا ما جرى مع صديقتها أم النور.. ومن لا يعرف أم النور التي لطالما ملأت ساحة المخبز ضحكًا، وأبعدت الهمّ عن النسوة، فأزاحت بكلماتها غبار النزوح عنهن.
«شمستك عالية يا أم النور….

إي والله أمس حكيت مع ابني بألمانيا، إنشالله بتشوفو أحبابكم بخير وسلامة، والله الفراق نار شاعلة بالقلب، وطول الليل ما قدرت نام، وفكرة تاخدني وفكرة تجيبني، صار لي خمس سنين ما شفته… ما غسلت تيابه… ما طبختلو ولا أكلنا سوا… وقررنا نعمل جوازات سفر للشباب والبنات، ونروح ع مصر، تضرب هالبلد ماعاد ينقعد فيها، كل يوم خبر جديد يحرق القلب، استشهد فلان… واعتقلوا فلان… وهدموا بيت فلان… والمعيشة صارت ما بتنطاق، والأسعار صارت نار تكوي كوي، وصار بدو الواحد يحسب حساب حق الشحاطة أنتو أكبر قدر، وما بتبقى إلا كم يوم، مو متل من زمان كانت «للأبد»، ربينا ولادنا كل شبر بندر، وما صدقنا حتى عمرنا بيت يأوينا ونفرح فيهم، الله وكيلكم معي هالكم قرش جمعتهم بدي جوز فيهم ابني فارس الله يخليلكم ولادكم، وقررنا نسافر فيهم، ونعيش برا البلد أشرف من هالعيشة اللي كلها ذل وإهانة وتحقير، والله طالعين غصب من عن أنفنا مو بخاطرنا.»
وماذا ستملك لها النسوة الواقفات متحسرات على رغيف خبز سلبوه حتى رائحته، سوى دمعات ممزوجات بآهات ودعاء أن يكلل الله أيامها بالتيسير، لتربّت أم خالد على كتفها قائلة لها:
يالله بعين الله، الله يصبركم ويفتح لكم باب الفرج والرزق، وإذا بتسافروا بتكونوا عملتو زينة العقل.

ويبقى حال أم النور إلى لحظة بكاء أم خالد وتوقفها عن الكلام أفضل بكثير من الأمهات اللاتي فقدن أولادهن أمام أعينهن، وأخريات شيعن أولادهن وأزواجهن على أكفهن، وحفرن لهم القبور في غياب من يواري جثامينهم.
«ويارب تجيكم أيام أحلى من هالأيام… وترجعوا بالسلامة، ووو.. لتقاطعها أم النور «والله ياعمري يلي يطلع ماعاد يرجع، وهي الفلسطينين صار لهم قاعدين هون من قبل ما يخلق جدي… ولهلق عايشين مع حبر ع ورق اسمه (حق العودة) أو يمكن مسكن آلام بيستخدموه قبل الأكل وبعد الأكل ومع لقيمات الأكل، أو هو بحد ذاته وجبة الأكل نفسها ليبقوا عايشين ع أمل العودة..»
ويسبق صوت أم النور وهي تنادي زوجها، كل مخططات العودة، وحقوق الإنسان، والمنظمات الدولية التي باتت والحكام يقتاتون من المائدة نفسها، وتصرخ أم النور، تركض جيئة وذهابًا، تبحث عن أولادها، أو تلملم أشلاء أبنائها.. لتسقط قذيفة أخرى تردي بزوجها الآخر شهيدًا، فكل حجارة وطنها السليب لم تتمكن من إيوائها وأولادها تحت سقف لا تطاله آلة المستبدين الهمجية.
لقد كان الموت حليفهم هذه المرة، وباتت القذيفة أسرع من الطائرة التي ستقلّهم إلى مصر، لتقول أم النور قولتها المؤثرة «هربنا من القدر… فلحق القدر بنا، وبات سفرنا بعيدًا، وأجلنا قريب».
لقد سافروا… ولكن هذه المرة فعلًا بدون «حق العودة»، وبدون طائرة وجواز سفر وحقائب…
وبدون ابتسامة وقصص تزين صباحات صديقاتها وجاراتها عند ساحة الفرن، بل وبحرقة قلب جديدة لهن مع كل صباح..

تابعنا على تويتر


Top