من مذكرات معتقل: رياضة العيون

عنب بلدي – العدد 65 – الأحد 19-5-2013
0
نبحث عن متسع من مكان في زنزانتنا لنقوم ببعض التمارين الرياضية، علّ دورتنا الدموية تتنشط فنقوى على القيام بأعباء الحياة في سجننا.. نعم يوجد حياة.. ولها أعباء… فيكفيك تعبًا أن تبحث عن مكان تستلقي فيه بكامل طولك، وأن تتمكن من الاستلقاء لتمارس تمارين الاسترخاء العضلي، ثم لتصاب بالإجهاد من كثرة التنقل ذهابًا وإيابًا وأنت متسمر في مكانك تدعو الله أن يفرج عن أصدقائك في الزنزانة ليفسحوا لك المجال، ناسيًا من شدة التعب أن تدعو لنفسك بالفرج معهم، ثم تشعر بإعياء شديد ووهن عام وأنت تنظف السنتيمترات المخصصة لك، ويترافق ذلك كله مع إرهاق شديد سببه لك ألم الركض جالسًا، لتؤكد وبكل لحظة أنك تعيش حياة في الزنزانة ولها أعباء…

وبعد هذا اليوم الشاق نحتاج إلى حمام ماء ساخن مختصر بقطرات تتاح لنا كل عدة أيام مرفقة بجهد جهيد لنيل رضا الضابط المناوب علينا، ليجول ببالنا أن نقوم ببعض التمارين الرياضية علّها تساهم بتقويم اعوجاج عمودنا الفقري الذي انحشر في زاوية مع ما لا يقل عن عشرة أعمدة فقرية أخرى، وهنا بيت القصيد.. تمارين رياضية في زنزانتنا المستصغرة، فيأخذ أحدنا دور المدرّب، ويلتزم البقية بأداء الحركات خلفه، 1،2،3،4.. يمين.. يسار.. فوق.. تحت.. أمام.. وراء… وكل كلمة ترفق مع سيل عارم من التعليقات والضحكات من المتدربين، مع تصفيق بدون صوت إكمالًا لمشهد الهدوء الرياضي العام… نعم فقد بات في زنزانتنا للرياضة هدوء، بل ويكمن سحرها في هدوئها -وبشرط ما حدا يلمس حدا- فتصوروا حجم المعاناة، فقد باتت الرياضة معاناة لضيق مكاننا، والآن دور تمرين المعدة والبطن ثم الظهر، والفكاهة عند تمرين الميزان، فهل لك أن تتخيل كم كسر يمكن أن نتعرض له بعد هذا التمرين، وكم سنة نحتاج بعده إلى علاج فيزيائي، ولك أن تسمح لنفسك أن تتخيل يوم السباق، وعدد المصابين والجرحى والقتلى جراء الاصطدامات (غير) المتوقعة بين المتسابقين…

لنقرر في النهاية «نأسف لإرهاقكم… وحرصًا على سلامتكم… فجسمكم لا يتحمل أكثر من (رياضة التأمل وبالعيون فقط)»..

تابعنا على تويتر


Top